وَقَال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَلِيٌّ الشَّعْبِيُّ: إِنَّهَا الدَّكَاكِينُ الَّتِي فِي الأَْسْوَاقِ، وَقَدِ اسْتَظَل عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي خَيْمَةِ فَارِسِيٍّ بِالسُّوقِ مِنَ الْمَطَرِ دُونَ إِذْنٍ مِنْهُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي دُخُول حَوَانِيتِ السُّوقِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعِكْرِمَةَ فَقَال: وَمَنْ يُطِيقُ مَا كَانَ يُطِيقُهُ ابْنُ عُمَرَ؟ قَال الْجَصَّاصُ: وَلَيْسَ فِي فِعْل ابْنِ عُمَرَ هَذَا دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُ رَأَى دُخُولَهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ مَحْظُورًا، وَلَكِنَّهُ احْتَاطَ لِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ مُبَاحٌ لِكُل وَاحِدٍ.
وَقَال عَطَاءٌ: هِيَ الْبُيُوتُ الْخَرِبَةُ الَّتِي يَدْخُلُهَا النَّاسُ لِلْبَوْل وَالْغَائِطِ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بُيُوتُ مَكَّةَ (1) . وَقَدْ بَيَّنَ الإِْمَامُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الأَْصْل فِي قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا فَقَال: وَتَجْوِيزُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ دُخُول بُيُوتِ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ بُيُوتَ مَكَّةَ غَيْرُ مُتَمَلَّكَةٍ، وَأَنَّ النَّاسَ فِيهَا شُرَكَاءُ (2) . وَأَدْخَل جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ كُل مَكَانٍ فِيهِ انْتِفَاعٌ، وَلَهُ فِيهِ حَاجَةٌ (3) .
وَبَنَى الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ عَلَى الْعُرْفِ، فَقَالُوا: يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَدْخُل بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ كُل مَحَلٍّ مَطْرُوقٍ، كَالْمَسْجِدِ، وَالْحَمَّامِ، وَالْفُنْدُقِ، وَبَيْتِ الْعَالِمِ، وَالْقَاضِي، وَالطَّبِيبِ - وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَسْتَقْبِل فِيهِ النَّاسَ - لِوُجُودِ الإِْذْنِ الْعَامِّ بِدُخُولِهِ (4) .
(1) أحكام الجصاص 3 / 387، والطبري 18 / 113، والقرطبي 12 / 221 - 222، وعمدة القاري شرح البخاري 22 / 131 طبعة المنيرية.
(2) تفسير القرطبي 12 / 221
(3) تفسير القرطبي 12 / 221
(4) الفواكه الدواني 2 / 426، وشرح الكافي 2 / 1134، والشرح الصغير 4 / 762