قوله تعالى:
(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37)
(اللغة)
التَّقَيُّل: تَفَعُّلٌ من القبول، يقال: قبلت الشيء أقبله إذا رضيته، والقبيل الكفيل،
وذكر التقبل، ثم ذكر المصدر من القبول دون التقبل؛ لأن فيه معنى قَبِلَهَا، كقوله:
(أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) ولم يقل إنباتا، ويُقال: كلمت فلانًا كلامًا.
(الأحكام)
تدل الآية على أن مريم كان يأتيها الرزق من عند اللَّه، والأولى بالظاهر أنه لا
واسطة؛ لأنه حقيقة ليكون لتخصيصها فائدة وتكون معجزة لزكريا، ولو كانت معجزة
له لِمَ قال:"أَنَّى لَكِ هَذَا"الآية؟، يحتمل أنه قال ذلك ليعرفها ذلك، ويحتمل أنه
كان أخبرها بحصوله، فأراد أن يعرف وقت حصوله ليكون موافقًا لخبره، ويحتمل أن
يكون قال ذلك إخبارًا لتعلم حالها وتبلغ شكرها، وتدل على أن معجزة الرسول يجوز
أن تظهر على غيره، ولكن لا بد أن يكون له بالرسول تعلق إما بإخباره أو بدعائه أو
نحو ذلك ليختص به.
ولا يقال: مع أن الرزق يأتيها فما معنى تكفل زكريا؟
قلنا: لأنها وصلت إلى ذلك بدعائه، وكان هو المتولي لذلك، وكانت فارغة
للعبادة مسلمة نفسها، وكان زكريا تكفلها صغيرة وناشئة.
وتدل على أن الرزق غير مستحق، وإنما هو موقوف على مشيئته بحسب ما يرى من المصلحة.