قوله تعالى:
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(164)
يقال: لم وُحِّدَت الأرض، وجمعت السماوات؟
قلنا: فيه قولان:
الأول: أنها جمعت لأنها سبع سماوات، فجمع لئلا يوهم التوحيد، ودل مع
ذلك قوله: (وَمنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ) على معنى السبع، ولكنه لم يجئ على جهة
الإفصاح بالتفصيل كما في اللفظ.
الثاني: لأن الأراضي لتشاكلها شبه الجنس الواحد كالرسل، والماء الذي لا يجوز
جمعه إلا أن يراد الاختلاف، وليس تجري السماوات مجرى الجنس المتفق؛ لأنه
أخبر عن كل سماء أمرها.
ويقال: لم جمعت الليلة، ولم يجمع النهار؟
قلنا: لأن النهار بمنزلة المصدر كقولك: الضياء يقع على الكثير والقليل، وأما
الليلة فَمخْرَجُها مخرج الواحدة من الليل، وقد جاء جمعه على الشذوذ نُهُر. قال
الشاعر:
لَوْلاَ الثَّرِيَدانِ هَلَكْنَا بالضُّمُرْ ... ثَرِيدُ لَيْلٍ وَثَرِيدٌ بِالنُّهُرْ
ويُقال: لم قدم الليل؟
قلنا: لأن الليل هو الأصل، والضياء طارئ؛ لأنه تعالى خلق الأرض مظلمة ثم
خلق الشمس والقمر.
ومتى قيل: قوله:"آيات"، يرجع إلى الجميع أو إلى كل واحدة؟
قلنا: يحتمل الوجهين، أي الكل آيات، ويحتمل كل واحد مما ذكر فيه آيات.
"لِقَوْم يَعْقِلُون"قيل: هو عام في العقلاء من استدل
ومن لا يستدل؛ لأنه يمكنه الاستدلال.
وقيل: هو خاص فيمن استدل وعلم؛ لأنهم
لما أهملوا أنفسهم صاروا كأنه لا عقل لهم حيث لم ينتفعوا بتلك الدلالات كقوله:
(إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) وإنما أضاف الدلالة إلى من يعقل لوجهين:
أحدهما: أنها نصبت لهم، ولأنها لا تصح أن يستدل بها غيرهم.
ومتى يقال: لم خص هذه الأشياء وجميع الأجسام دالة عليه؟
قلنا: لأنها جامعة بين كونها أدلة وكونها نعمًا على المكلفين؛ فلذلك ذكرها عقيب
قوله:"وَإلَهُكُمْ"، ولأن ذلك مما يشاهده عموم الخلق، ولا يخفى على ذي لب.