قوله تعالِى:
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)
ومتى قيل: لم كررت إياك؟
قلنا: لأنها قامت مقام الكاف في نعبدك ونستعينك، وذكر إياك؛ لأنه أفصح
وأفخم، ولو قيل: نعبدك لم يكن فيه إفصاح بالمعنى؛ لما فيه من التأكيد، كأنه قال:
نعبدك، ولا نعبد غيرك.
ومتى قيل: لم قال: (مَالكِ) على لفظ الغائب، و (نعبد) على لفظ المخاطب؟
قلنا: فيه إضمار، أي قولوا: إياك.
وقيل: الإضمار عند قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)
(وَإِيَّاكَ) .
وقيل: من شأن العرب، أن تصرف من الغائب إلى الحاضر للتصرف كقوله:
(حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) قال لبيد:
باتت تشكي إلي النفس مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعينا
ومتى قيل: ما الذي يجب على العبد أن يفعل حتى يصير فعله عبادة؟
قلنا: ينبغي أن يكون الفعل مما يُتَقَرَّبُ به إليه، ثم يقصد به التقرب، فحينئذ يكون
هو متقربا، وفعله عبادة، ثم المؤمن يقصد بالتقرب طلب المنزلة والثواب عنده،
والفاسق يقصد طلب النجاة أو التخفيف، وجميع ذلك لا يصح إلا بعد معرفة
المعبود، وهذا في الشرعيات التي هي ألطاف لا تكون عبادة إلا بالقصد، فأما
العقليات، فقد يقع به قربة، وتستحق الثواب من غير قصد القربة كالنظر في معرفة اللَّه
تعالى، ومعرفة صفاته؛ لأن كل ذلك يصح قبل معرفة القديم سبحانه، وإنما استحق
القديم العبادة لقدْرته على أصول النعم، وفعله ذلك دون غيره.
ومتى قيل:"إياك"خطاب مشاهد، وهو غير مشاهد؟
قلنا: هو في حكم المشاهد؛ لكونه عالما قادرا عليه، رائيا له، سامعا لما يقوله.
ومتى قيل: لم قيل:"إِيَّاكَ"، ولم يقتصر على كاف الخطاب؟
قلنا: لأنه لو قدم اشتبه بكاف التشبيه، فكأن أريد تقديم اسمه فقال:"إِيَّاكَ"،
وقيل: لأن فيه إثباتا ونفيا، إثبات العبادة له، ونفيها عن غيره.
ومتى قيل: لم قدم العبادة على المعونة، وطلبُ المعونة على الماضي يستحيل؟
قلنا: قيل: الواو للجمع.
وقيل: سألوا المعونة على عبادة يستأنفونها.
وقيل: هو خبر، أي: نطلب منك المعونة.
وقيل: معناه: منك نطلب المعونة على حوائج
الدنيا والآخرة.
ومتى قيل: فما المعونة من اللَّه تعالى؟
قلنا: هو على ضربين: تمكين كالقدرة والآلة، وذلك قد فُعِلَ بجميع المكلفين،
والثاني: ما يقربه إلى فِعْلِ ما كُلِّفَ، أو إلى اختياره، كالألطاف، ويختص ذلك بِمَنْ
المعلوم أن له لطفًا، ثم اللطف قد يتقدم الفعل وقد يقارنه.