قوله تعالى:
(يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)
ومتى قيل: هل يظن به أنه مع صحة نبوته لا يبلغ شيئًا؟
قلنا: يجوز أن يظن أنه يجب أداء البعض دون أداء الكل، أو يظن أنه يجب الأداء
إلى بعض دون بعض، أو يظن أنه يجب في حال دون حال حتى يجب عند زوال
الخوف ولا يجب مع الخوف، فأزال جميع ذلك وأمر بالتبليغ في جميع الأحوال إلى
جميع الخلق"وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ"يعني يمنعك أن ينالوك بسوء من قتل أو قهر
أو شيء يمنع الأداء.
وقيل: معناه يعصمك من بين الناس؛ لأنك النبي في وقتك.
فإن قيل: أليس عندكم تجب العصمة حتى يؤدي الرسالة فما فائدة الآية؟
قلنا: يجوز أن تكون مؤكدة، ويجوز أن يظن أن عند الخوف الشديد يجوز
تأخير الإبلاغ فأزال ذلك، ولأنه علم أنه يحرسه وقت الأداء، وبالآية علم ذلك في
عموم الأحوال.
ومتى قيل: فمن أي شيء يحرسه؟
قلنا: مما يمنع الأداء والإبلاغ، فأما الأذى القليل والذي لا يمنع الإبلاغ يجوز
أن يخلى، ولا يكون معصوما فيه.
ومتى قيل: أليس شُجَّ جبينه، وكُسِرَتْ رباعيته؟
قلنا: ذاك لا يمنع الإبلاغ، فلذلك جاز.
وقيل: إن الآية نزلت بعده، وروي أن
ركانة أشجع العرب صارعه فصرعه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ثم أتاه أبو بكر وعمر،
وقالا: إن ركانة أفتك الناس، فكيف صرعته؟ فقال:"أليس اللَّه تعالى قال:"
"وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ".