قوله تعالى:
(قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ(32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)
(الإعراب)
النون في قوله: (لَيَكُونًا) نون التأكيد، وهي تخفف وتشدد، والنون في قوله:
"لَيُسْجَنَنَّ"نون التأكيد، إلا أنه إذا وقف على المشدد ليسجنن، والوقف على قوله:
(لَيَكُونًا) بالألف؛ لأنه بمنزلة التنوين في أنه يجب أن يكون حاله في الوقف، خلاف
حاله في الوصل، تقول: رأيت رجلًا، فإذا وقفت قلت: رجلاَ، ومنه: (لَنَسْفَعًا)
قال الأعشى:
وصَلِّ عَلَيَّ حِينَ العَشِيَّاتِ والضُّحَى ... ولا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ وَاللَّهَ فَاعْبُدَا
أراد فاعْبدن فوقف بالألف"قَال رب"أي: يا رب، وهذا نداء مفرد، ومحله
رفع."أصب إليهن"جواب المجازاة لقوله:"وإلا تصرف عني"ولذلك جزم، وإنما
هو إنْ لا تصرف، فأدغمت النون في اللام. و"أكن"معطوف على"أصب".
ويقال:"ليسجننه"هل هو فعل المؤنث؟
قلنا: لا؛ لأنه لو كان فعل المؤنث، ودخل عليه نون التأكيد لصار يَسْجُنَانِّهِ،
كقولك: يقتلانه، وأصل الفعل ليسجنَنَّ كقولهم: ليقتلَنَّ، ولهذا قال"بدا لهم"ولم
يقل بدا لهن، وإنما جاز ذلك لاختلاط المذكر من أعوانها بالمؤنث، فغلب المذكر.
يقال: ما متصرف (حتى) ؟
قلنا: على أربعة أوجه حرف جر، وحرف عطف، وناصبة للفعل، وحرف من
حروف الابتداء، فالجارة كالذي في الآية، والعاطفة كقولهم: خرج الناس حتى
الأمير، والناصبة"حتى يَأْتِيَ وعدُ اللَّهِ"، وحرف من حروف الابتداء، كقولك:
سرحت الناس حتى زيدٌ مسرحٌ.