قوله تعالى:
(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ(68)
يقال: بم ارتفع"لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَان"؟
قلنا: قال الأخفش: لأنه صفة للبقرة، وقال الزجاج: ارتفع بإضمار هي، أي هي
لا فارض ولا بكر.
ويقال: لم جاز"بَينَ ذَلِكَ"، و"بين"لا تصلح إلا لاثنين؟
قلنا: لأن"ذلك"- وإن كان لفظه لفظًا واحدًا - يصلح أن يقع على الاثنين.
ويقال: هل كان المأمور ثانيًا هو المأمور أولًا أم غيره؟
قلنا: اختلفوا فيه، فقال بعضهم: الثاني والثالث بيان الأول، وليس بنسخ، وهو
اختيار أبي مسلم وجماعة من المفسرين، وقال بعضهم: الثاني نسخ الأول، والثالث
نسخ الثاني، وهذا إنما يصح إذا فات وقت الفعل، وقال بعضهم: إن ذلك تكليف بعد
تكليف، وذلك أنهم أمروا بشرط الأخذ بظاهر الأمر، وذبح بقرة ما شاؤوا، فلما لم يأخذوا بذلك كان من الأصلح أن يشدد عليهم عند تراجعهم؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم:"لو"
اعترضوا بقرة لأَجْزَأَتْ عنهم، ولكنهم شددوا فشدد اللَّه عليهم"فكانوا مأمورين في المرة الثانية بظاهر الأمر وترك المراجعة، فلما راجعوا تغيرت مصلحتهم إلى تكليف ثالث، وهذا هو الصحيح."
ويُقال: لم قلتم: إنه تكليف بعد تكليف، وليس ببيان؟
قلنا: لوجوه: أحدها: أن الأمر الأول لا يحتاج إلى بيان، ولو احتاج لما جاز
تأخير البيان عن وقت الخطاب. ومنها: أن العلماء أجمعوا على أنهم لو ذبحوا بقرة
أَجْزَأَتْ عنهم، فلما رجعوا وَبَيَّنَ صفة البقرة اشتد عليهم فلم يُجِزْ إلا بقرة موصوفة
فكان تكليفًا غير الأول، ومنها: أن قوله:"فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ"استبطاء وذم لهم،
فلولا أنهم مقصرون لما صح ذلك، ولو كان يلزمهم الفعل عند آخر البيان لما كانوا
مقصرين، ولما استحقوا الذم.