قوله تعالى:
(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(171)
"وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا"قيل: صفتهم.
وقيل: شبههم
"كمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ"يصوت"بِمَا لاَ يَسمعُ"من البهائم"إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً"يعني صياحًا
من دون معرفة معناه، واختلفوا في تقدير الكلام، وتأويل الآية على وجوه أربعة:
الأول: مثل الَّذِينَ كفروا في دعائك إياهم كمثل الناعق في دعائه المنعوقَ به من
البهائم التي لا تفهم كالإبل والبقر والغنم، فحذف لدلالة الكلام عليه، والحذف في
مثله حسن كقولهم: إنهم كالحمار أي في سوء الفهم وعدم الفهم وكالأسد في القوة،
وهذا أحسن في البيان، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع، وهو معنى قول أبي
علي.
الثاني: مثل الَّذِينَ كفروا في دعائهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناعق في دعائه ما
لا يسمع ب (تَعَالَ) وما يجري مجراه من الكلام والبهائم لا تفهم، فشبه الأصنام في
أنها لا تفهم بها، فإذا كان لا يشكل أن من دعا بهيمة عد جاهلًا، فمن دعا حجرًا أولى
بالذم والجهل، حكاه أبو القاسم وغيره.
الثالث: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه الصدى في
الجبل وغيره أنه لا يسمع منه إلا دعاء ونداء، وذلك أنه إذا قال:"يا زيد"سمع مِن
الصدى"يا زيد"، وليس وراء هذا القول شيء، إلا أنه يخيل أنه يجيبه مجيب، وليس
فيه فائدة كذلك يخيل إلى هَؤُلَاءِ المشركين أن دعاءهم الأصنام يستجاب، وليس لذلك
حقيقة ولا فيه فائدة، عن أبي زيد.
الرابع: مثل الَّذِينَ كفروا في قلة تفهمهم وعقلهم كمثل الراعي يكلم البهائم،
وهي لا تعقل، وهذا لا يحتاج إلى تقدير محذوف، وعلى الوجوه الأخر لا بد من محذوف.