ويقال: كم وجهًا في تقدير المحذوف؟
قلنا: ثلاثة أوجه:
أولها: مثل الَّذِينَ كفروا في دعائك إياهم كمثل الناعق في دعائه المنعوقَ به.
الثاني: مثل وعظ الَّذِينَ كفروا كمثل الناعق، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
الثالث: مثل الَّذِينَ كفروا في دعائهم الأصنامَ كمثل الناعق في دعائه الأنعام.
ويُقال: إذا كان مثل الَّذِينَ كفروا مثل المنعوق به وهو مشبه به، فهلا قوبل به؟
قلنا: قال الفراء والكسائي: إنه مجرى المقلوب، وهو أن توضع كلمة مكان
كلمة، قال أبو القاسم: وقع المعنى على المنعوق به واللفظ على الناعق، فكأنه قيل:
كمثل الغنم الذي لا تسمع الذي ينعق بها راعيها، وهذا كما يقال: أدخلت القلنسوة
الرأس، وإنما هو أدخلت الرأس في القلنسوة.
وقيل: لأن الكلام يتضمن تشبيهين:
الداعي إلى الإيمان بالراعي، والكفار المدعوين بالأنعام، وأريد الإيجاز، فحذف ما
حذف، وبقي ما يدل على ما حذف، فأبقى في الأول ذكر المدعو، وفي الثاني ذكر
الداعي، ثم وصفهم بما يجري مجرى التوبيخ، فقال تعالى:"صُمٌّ"يعني عن استماع
الحجة"بُكْمٌ"عن التكلم بالحق"عُمْيٌ"عن الإبصار لها، عن ابن عباس وقتادة
والسدي، وهذا على التشبيه يعني لما لم يسمعوا الحق، ولم يتكلموا به، ولم يبصروا
الأدلة ساروا بمنزلة من لا يبصر ولا يسمع ولا يتكلم كقول الشاعر:
أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ
وقال آخر:
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا ... وَلَكِنْ لاَ حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي
ويحتمل أنهم على هذه الصفة يوم القيامة كقوله تعالى: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) .
"فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ"قيل: لا يعلمون الحق.
وقيل: هم بمنزلة من لا عقل له إذ لم ينتفعوا بعقولهم.