قوله تعالى:
(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24)
ويقال: لم جزم لام الفعل؟
قلنا: لأنها نقلته إلى الماضي، فأخرجته من الإعراب الذي يكون للاسم، لما
باعدته عنه، فأما (أن) فتنصب الفعل؛ لأنها أشبهت (أنَّ) المشددة في عوامل الاسم
من حيث كانت مع ما بعدها بمنزلة المصدر، فأما (لن) وأخواتها، فمشبهة بـ (أنْ) ،
لأنها تنقل الفعل إلى الاستقبال على الحد الذي يكون عليه الاسم، وليس كـ (إن) التي
للجزاء؛ لأن الجزاء لا يكون إلا بالفعل، فجزم لما دخله معنى لا يكون من الاسم،
كما جزم حرف النهي لما كان لا يصح إلا بالفعل.
ومتى قيل: لم قال:"فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا"، ولم يقل: فإن لم تقدروا وعجزتم؟
قلنا: أراد جميع ما يتعلق بالقرآن من الإيمان به، والعمل بما فيه، فالكل
محجوج به، المؤمن بالعمل به، والكافر بالإتيان به؛ لأن التخويف عام.
ومتى قيل: كيف جاء"فَاتَّقُوا"مشروطًا بقوله:"فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا"واتقاؤه يجب على كل وجه؟
قلنا: هو في تصديق النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك لا يلزم إلا بعد العلم بالمعجز، فجاء مشروطًا
لهذا، والمعنى فإن لم تعارضوا فقد قامت الحجة فوجب قبولها، وإلا استحق النار والعذاب.
ومتى قيل: كيف قال:"أُعِدَّتْ للكَافِرِينَ"وهي معدة للفاسقين أيضًا؟
قلنا: فيه أنها معدة لهم، وليس فيه أنها لم تعد لغيرهم، وإثبات الشيء لا يدل
على نفي ما عداه؛ ألا ترى أنه لا يمتنع أن يكون وقودها من الجن أيضًا لقوله:
(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13)
وقيل: إنها نار خاصة للكافرين، وغيرها من النيران لغيرهم، ولهذا قال: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46)
وقيل: إنه قد يكتفى بذكر أعظم الشيئين إذا اجتمعا، كقوله: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)
وقيل: لأنهم هم الأصل فيها، ولهم العذاب العظيم، فكأن غيرهم لم يعتد بهم.