قوله تعالى:
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)
ويقال: لماذا استنصرهم، وإنما بعث بالوعظ دون الحرب؟
قلنا: طلب ذلك للحماية من الكفار لما هموا بقتله عند إظهار الدعوة، عن
الحسن ومجاهد.
وقيل: طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجة.
وقيل: ليميز الموافق
من المخالف.
وقيل: دعاهم لينصروه على حربهم بدليل قوله تعالى: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا
عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) .
قوله:"وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ"
اختلفوا في معنى المكر المضاف إليهم، والمكر المضاف إلى اللَّه تعالى، قيل: مكروا بأن
دبروا سرًّا واحتالوا في قتل المسيح؛ لأن عيسى بعد خروجه من بينهم عاد مع
الحواريين إليهم، ودعاهم فهموا بقتله، واحتالوا،"وَمكَرَ اللَّه"أي ردهم بالخيبة لإلقائه
شبه المسيح على غيره، عن السدي.
وقيل: مكروا بإضمار الكفر، ومكر اللَّه
مجازاتهم بالعقوبة، على ذلك سمي جزاء المكر مكرًا على مزاوجة الكلام كقوله:
(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) ، (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ)
قال الشاعر:
أَلا لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا
عن الزجاج.
وقيل: مكرهم خِبٌّ وخديعة وحيلة، ومن اللَّه استدراج كقوله:
(سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ(182) .
قال ابن عباس: كلما أحدثوا خطيئة جدد عليهم نعمة، ثم يأخذهم بغتة.
وقيل: مكرهم احتيالهم لقتله، ومكره أن يسلط عليهم فارس تقتلهم وتسبي ذراريهم، عن الأصم.
وقيل: مكرهم همهم بقتله، ومكره رفعه
إلى السماء، عن أبي مسلم، وعلى جميع الوجوه المضاف إليه تعالى حسن.