فهرس الكتاب

الصفحة 1824 من 4213

قوله تعالى:

(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا(31)

(القراءة)

قرأ أبو جعفر ونافع"مَدْخَلًا"بفتح الميم، وفي الحج مثله، والباقون بالضم،

فالفتح موضع الدخول، والضم على المصدر من الإدخال، وقرأ المفضل عن عاصم

"يكفر""ويدخلكم"بالياء في الحرفين على ضمير الغائب، والباقون بالنون على

استئناف الوعد.

(المعنى)

لما تقدم ذكر المنهيات وألحق الوعيد بها بين أقسامها، فقال تعالى:"إِنْ تَجْتَنِبُوا"

تتباعدوا"كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ"يعني كبائر الذنوب وعظائمها، وقد اختلفت الروايات في

الكبائر وكثرت الأقاويل، والأصل فيه أن الذنوب ثلاثة: كفر وله أحكام في الدنيا

وأعظم العقوبات في الآخرة، وفسق وله أحكام وعقاب دون الأول، وصغير يكون

مكفرًا، وقد قال تعالى: (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) ثم الكبائر

يعرف بعضها كالقتل والزنا والربا، وغصب عشرة دراهم ونحوها، ولا يعرف بعضها،

وأما الصغائر فلا يعرف شيء منها؛ إذ لا معصية إلا ويجوز أن تكون كبيرة؛ لأن

في تعريفها إغراء بالمعصية؛ لأنه إذا دعته الشهوة إليه وعلم أنه لا ضرر عليه في

فعله، وحد الصغيرة عند مشايخنا البصريين ما نقص عقابه عن ثواب صاحبه، ثم حال

العقاب اللازم عليه ينحبط بالاتفاق، وهل ينحبط مثله من ثوابه؟ قال أبو هاشم:

بلى على مذهبه في المواؤنة، وقال أبو علي: بل يسقط الأقل ويبقى الأكثر بحاله،

ومن مشايخنا من يقول: الصغيرة ما يقع سهوًا فأما العمد فكله كبيرة، فأما اختلاف

أقاويل السلف والمفسرين فقيل: الذنوب كلها كبائر، رواه ابن سيرين عن ابن عباس،

قال: ما نهى اللَّه عنه فهو كبيرة حتى الطرفة، وعن سعيد بن جبير: كل شيء غضب

اللَّه فيه فهو كبيرة، وهذا لا يصح لقوله: (لَا يغُادِرُ صغِيَرَةً وَلَا كبَيَرةً)

وقيل: ما وعد اللَّه فيه حدًا ونارًا فهو كبيرة عن الضحاك، وهذا يلزم أن يكون كل

ذنب كبيرة.

وقيل: كل ذنب أصر عليه فهو كبيرة عن مالك بن معول.

وقيل: ما نهى

عنه كبيرة والصغيرة مقدماتها وتوابعها. عن السدي.

وقيل: كل ما نهى عنه من أول

السورة إلى رأس الثلاثين فهو كبيرة عن ابن مسعود، وعن بعضهم ذلك، وروي عن

ابن عباس: القتل والقذف والزنا والربا والفرار من الزحف، وهذا يدل أنه من الكبائر،

فأما أن يكون ما عداه ليس من الكبائر فلا، وعلى هذا يحمل قوله - صلى الله عليه وسلم:"أربع من"

الكبائر: الإشراك بِاللَّهِ، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس""

وسئل ابن عباس عن الكبائر أهي سبع؟ قال: هي سبعمائة أقرب، غير أنه لا كبيرة مع

الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار.

(الأحكام)

تدل الآية أن في الذنوب صغائر وكبائر، ولولا السمع لجوزنا أن تكون كلها كبائر

إلا ذنوب الأنبياء، فإن الكبائر لا تجوز عليهم، وتدل على أن الصغائر تصير مكفرة

عند اجتناب الكبائر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت