قوله تعالى:
(وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(99)
قوله:"لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"وإنما خص المؤمنين وإن كانت حجة للجميع؛ لأنهم يستدلون بها
وينتفعون بمعرفة مدلولاتها.
(الأحكام)
تدل الآية على صحة الحجاج في الدين.
وتدل على أن لهذه الأشياء مدبرًا وصانعًا حكيمًا حيث رتبه هذا الترتيب العجيب.
وتدل على كمال قدرته وعلمه حيث ينقله في هذه الأحوال.
وتدل على أنه تعالى قد يَفْعَلُ بسبب؛ لأنه ذكر أنه يخرج النبات بالمطر إلا أن
الأسباب على ضربين: سبب موجب يولد المسبب، وسبب عادة، وأبو علي وإن لم
يُجوِّزْ أنه يفعل بسبب موجب فلا يخالف في السبب الذي هو العادة.
ومتى قيل: فما الفائدة في إجراء العادة ألَّا يخرج النبات إلا بالمطر؟
قلنا: لما يعلمه تعالى من المصلحة، ولما فيه من منافع الدنيا، ومصالح الدين؛
لأن مَنْ عرف أنه متى لم يتعهد زرعه بالماء وغيره من وجوه التعهد لم ينتفع به، تَنبَّهَ
أنه إذا لم يعمل للآخرة، ولم يتعهد ذلك أيام حياته لا ينتفع بعلمه، وكذلك إذا تعهد
زرعه وسقاه ثم لم يحرسه من المحبطات يذهب عمله باطلًا، ففيه تنبيه أن من
يعمل ولا يحرس عمله من المحبطات يذهب باطلًا.
وتدل على بطلان الطبع؛ لأنهم يقولون: عند امتزاج الطبائع تتولد هذه الثمار،
فتشابهها من وجه واحد واختلافها من وجه، والطبائع واحدة، دليل على أنه مِنْ صُنْع
مدبر حكيم على أن هذه آثار عجيبة فلا يجوز أن يُحَالَ بحدوثها على شيء لا يعقل،
وما يشيرون إليه من الطبع لا يعلم ضرورة ولا دليل عليه، وبعد فإن هذه الطبائع إما أن
توجب فوجب أن توجب في الحال أو لا توجب فتخرج عن أن تكون علة.