قوله تعالى:
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(143)
الوسط من الناس ومن كل شيء أفضله وأعدله، ليس بالغالي ولا المقَصِّر،
والوسط بين طرفي كل شيء.
ويقال: مم أخذ الوسط، وما معناه؟
قلنا: معناه خيار، أخذ من المكان الذي تَعْتَدِلُ المسافة إلى أطرافه.
وقيل: من
المتوسط بين الغالي والمقَصِّر، فالحق معه.
(الإعراب)
يقال: في لام"ليكونوا"و"لَكَبِيرَة"و"لِيُضِيعَ": ما معنى هذه اللامات الثلاثة؟
قلنا: الأولى لام كي، تقديره: لكي يكونوا، والثانية: لام التوكيد. والثالثة: لام الجحود.
والكاف في قوله:"كَذَلِكَ"كاف التشبيه، قيل: مردودة على يهدي، تقديره: كما
أنعمنا عليهم بالهداية كذلك أنعمنا عليهم بالعدالة.
وقيل: كما اخترنا إبراهيم كذلك
اخترناكم، فَيُصْرَف إلى اصطفينا.
وقيل: تقديره: نهدي من نشاء، كما هديناكم إلى
قبلة هي أوسط القِبَل، كذلك جعلناكم أمة وسطًا عن أبي القاسم وأبي مسلم.
والعامل في الكاف"جَعَلْنَا"تقديره: نهدي من نشاء، وقد أنعمنا عليهم بذلك،
وجعلناكم أمة وسطًا وأنعمنا كذلك الإنعام، إلا أن (جعلنا) يدل على أَنْعَمْنَا.
ويقال: إذا كان في الأمة من ليس هذه صفته. فكيف وصفوا بذلك؟
قلنا: المراد به من كان بتلك الصفة، ولأنه في كل عصر لا يخلو من جماعة هذه
صفتهم.
(لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) فيه ثلاثة أقوال:
الأول: لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها، كقوله تعالى:
(وَيَومَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) وقال ابن زيد: الأشهاد أربعة: الملائكة، والأنبياء،
وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - والجوارح.
الثاني: يشهدون الأنبياء على أممهم المكذبين أنهم قد بلغوا، وجاز ذلك لإعلام
اللَّه إياهم.
الثالث:"لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ"أي حجة عليهم، فتبين للناس الحق،
ويكون الرسول شهيدًا، مؤديًا ومبينًا للدِّين، قال الأصم: وسمي الشاهد شاهدا؛ لأنه
يبين، ولذلك يقال للشهادة: بينة.