قوله تعالى:
(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(44)
ومتى قيل: الأمر بالبر طاعة فكيف نهوا عنه؟
قلنا: المذموم ما ضموا إليه من ترك العمل؛ لأنه كالمتناقض أن يشفق على غيره
ولا يشفق على نفسه.
وقيل: لأنهم لم يأمروا بالبر لحسنه؛ إذ لو أمروا به لحسنه
لبدؤوا بأنفسهم فذمهم؛ لأنهم لم يأتوا بالأمر على وجهه.
"أَفَلَا تَعْقِلُونَ"يعني أفلا تفقهون أن ما تفعلونه قبيح في العقول.
وقيل: أفلا تعلمون أن ذلك متناقض.
وقيل: أفلا تعقلون أن ذلك لا يرضاه اللَّه عنكم، بل يعاقبكم عليه، عن أبي علي.
وقيل: معناه أن هذا ليس بفعل من يعقل، عن أبي مسلم.
وقيل: أفلا تعقلون أنه يلزمكم فيما
علمتم ما يلزمهم فيما علموه، عن الأصم.
وقيل: أفلا تعقلون أنه الحق فتصدقونه
وتتبعونه، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(الأحكام)
الآية تدل على وجوب البر والأمر به لا أنه منع من الأمر؛ لأن تقديره: إذا
نصحت غيرك لينجو من العذاب، فأنت إلى نُصْحِ نفسك أقرب، فيجب أن تتمسك
بالطاعة التي بها فوزك.
وتدل على توبيخ علماء السوء حيث نصحوا غيرهم، ولا يعملون لأنفسهم.
ويقال: إذا أخل بالطاعة هل يصح منه الأمر بها؟
قلنا: لا، بل يلزمه ذلك كما يلزمه في نفسه أن يطيع، فإخلاله بأحد الأمرين لا
يمنع كونه مؤديًا للآخر، وروي عن الحسن - رحمه اللَّه: لو لم يأمر بشيء حتى
يفعل لضاع الأمر.
ويدل قوله: (وَأَنتمْ تَتْلُونَ الْكتَابَ) أن الحجة على من يتلو الكتاب أعظم إذا
خالفه، وعقوبته أشد، ويجب عليه أن يتمسك به.