قوله تعالى:
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106)
(الإعراب)
يقال: لم سكنت لام الأمر مع الواو، ولم تسكن لام الإضافة؟
قلنا: لأن تسكين لام الأمر يؤذن بعملها أنه الجزم، وليس كذلك لام الإضافة، وإنما
قال:"يَدْعُونَ"والأمة مؤنثة؛ لأن الأمة في المعنى قوم، كأنه قيل: وليكن منكم قوم.
والعامل في قوله:"يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ"قيل: (عظيم) تقديره: عظيم عذابهم يوم
تبيض.
وقيل: الجملة: ولَهُمْ عَذَاب عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضّ، كقولهم: المال لزيد يوم الجمعة.
"وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ"أي جماعة منكم يأمرون، و (من) للتبعيض؛ لأن الأمر بالمعروف
فرض على الكفاية، فإذا قام به بعضهم سقط عن الباقين.
وقيل: (مِنْ) صلة أي كونوا
أمة، كقوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) أي الأوثان.
وقيل: أدخل
(من) ليخرج منه النساء والصبيان، وإلا فالخطاب متوجه إلى الجميع.
وقيل: (من)
للتخصيص، والمراد: وليكن أمة، كما يقال: لي من فلان ذكر، عن أبي مسلم.
"وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا"
وتفرقوا واختلفوا معناهما واحد، وذكرهما للتأكيد، واختلاف اللفظين كقوله الشاعر:
ينأ عني ويبعد
وقيل: بل معناهما مختلف، ثم اختلفوا فقيل: تفرقوا بالعداوة، واختلفوا في
الديانة.
وقيل: تفرقوا بأبدانهم، واختلفوا في اعتقاداتهم.
وقيل: تفرقوا في كتابهم
فرفضوه، واتبعوا أهواءهم المختلفة.
وقيل: فارقوا بالتكذيب بالقول، وخالفوه بالعمل، عن الأصم.
(الأحكام)
تدل الآية على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعظم حالهما، لذلك
علق الفلاح به.
وتدل على أن الاختلاف في الدين مذموم، وهذا فيما الحق فيه واحد، كالتوحيد
والعدل والنبوءات وأصول الشرائع لاستحالة أن يكون الجميع حقًا، فأما مسائل
الاجتهاد فإنه غير مذموم، وإن اختلفوا فيه؛ ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"خلاف أمتي"
رحمة"، وكل مجتهد فيه مصيب، قد أدى ما كلف؛ لأن الشرائع مصالح، فيجوز"
أن تختلف بحسب اختلاف المكلفين، كما يختلف فيه الحضر والسفر، والطاهر
والحائض والجنب، والغنى والفقر، والأمم والأماكن والأزمنة؛ لأنه لا يؤدي إلى
تضاد الاعتقادات؛ لأن كل مكلف إذا اجتهد ففرضه ما يؤدي اجتهاده إليه، كمن اشتبه
عليه القبلة، وكمكفر اليمين ونحوه، وفي الأول يؤدي إلى تضاد الاعتقادات حين
يعتقد في اللَّه تعالى أنه جسم، وليس بجسم؛ فلهذا فرقنا بينهما.
وتدل على بطلان وقبح التمسك بالباطل مع قيام الحجة.