فهرس الكتاب

الصفحة 922 من 4213

قوله تعالى:

(الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)

ويُقال: هذه المصيبة من جهته تعالى أو من جهة العباد؛ لأن في الموضعين

تكليفًا، فما كان من قِبَله، فالرضا به والاعتقاد لحسنه، وكونه حكمة ومصلحة، وما

كان من غيره فيرجع إليه في الانتصاف له والرضا بالتخلية لما فيه من المصلحة وجميع

ذلك يدخل في قوله:"إِنَّا لِلَّهِ"، كأنه يقول في الأول: إنا لله يدبر فينا كيف شاء، وفي

الثاني إنا له فينتصف لنا كما يشاء.

ويُقال: فما فيه مما يدل على الرضا؟

قلنا: من وجهين:

أحدهما: أنه إذا أقر بأنه ربه وهو عدل حُكْمُهُ، وأن ما يفعله فلا راد له، فلا فائدة

في الجزع صار رضا.

وثانيهما: أنه مبالغة في الرضا كما يقول لغيره إذا أصابه شيء: أنا لك.

ومتى قيل: إذا كان هو الخالق المنعم فلم يكره العبد الرجوع إليه؟

قلنا: لأنه لا يأمن العقاب، فينبغي أنْ يهتم بأمر آخرته، ويأتي بما كلف، ويهون

أمر الدنيا؛ ليحب الرجوع إلى خالقه.

(أُوْلَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)

نعمة عاجلًا وآجلًا، وهذا غاية ما وعد المكلف

وقيل: هذه البشارة تتعلق بهذا القول؟

قلنا: لا؛ لأنه لو قال بلسانه، واعتقد خلافه، أو أتى من الأفعال بما يخالفه لم

يستحق البشارة، ولكن يقول بلسانه، ويعتقد بقلبه، ويفعل بجوارحه ما يدل على

الرضا والتسليم من ترك الجزع، واعتقاد أن ذلك مصلحة وحكمة.

(الأحكام)

الآية تدل على أن العبد مكلف بهذا القول عند المصيبة؛ لأنه وإن كان خبرًا

فالمراد به الأمر.

ومتى قيل: هل يجب ذلك؟

قلنا: هو مندوب إليه، وقد يجب عند تهمة الجزع؛ لأن إظهاره كالدلالة على

الصبر والرضا.

وتدل على وجوب الرضا بقضائه، والتسليم له فيما ينزل به.

ويقال: لم كان هذا القول تعزية عن المصيبة؟

قلنا: لما فيه من الدلالة على أنه تعالى يجبرها بالعوض والخلف إن كان من

جهته، وينتصف من فاعلها إن كانت ظلمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت