قوله تعالى:
(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ(16)
ويقال: لِمَ دخلت الفاء في قوله: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) ؟
قلنا: لأن في الكلام معنى الجزاء وجوابه، كأنه قال: إذا اشتروا الضلالة بالهدى
فما ربحت تجارتهم، فحمل الكلام على المعنى.
ومتى قيل: كيف قال ذلك وهم لم يكونوا على هدى قط؟
قلنا: للعلماء فيه وجوه:
أولها: أن المراد ب"اشْترَوُا"اختاروا واستحبوا؛ لأن كُلَّ مُشْتَرٍ مُخْتَارٌ لِمَا اشتراه
على ما بذله، وليس بالظاهر في كلام العرب اشتروا بمعنى اختاروا.
وثانيها: أنهم آمنوا ثم كفروا، فهو عموم أريد به الخصوص، عن مجاهد، وليس
بالجيد؛ لأنه صرف الكلام عن ظاهره من غير حجة، ولأن سياق الصفة على خلاف
ما قال.
وثالثها: تركوا الإيمان إلى الكفر، واستبدلوه به، عن ابن عباس وابن مسعود
وأبي علي وجماعة، وهو الأولى.
ورابعها: أنهم ولدوا على الفطرة كما جاء في الخبر، فتركوا ذلك إلى الكفر،
فكأنهم استبدلوا الكفر.
وخامسها: استبدلوا بالإيمان الذي كانوا عليه قبل البعثة؛ لأنهم كانوا يؤمنون
بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويبشرون به، فلما بعث كفروا به، فكأنهم استبدلوا الكفر بالإيمان، عن
مقاتل والكلبي.
وسادسها: أنه لما كان الكافر مُتَمَكِّنًا منهما فاختار الكفر على الإيمان، فقد ترك
الإيمان إليه، وصار كالمستبدل.
وسابعها: أنهم آمنوا ظاهرًا، ثم تركوا الإيمان باطنًا.
ومتى قيل: لِمَ قال:"فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ"، ولَم يقل: ما ربحوا في تجارتهم،
والرابح هو التاجر؟
قلنا: هو فصاحة في كلام العرب، يقال: لَيْلُكَ قَائِم، ونهارك صائم، قال
الشاعر:
حَارِثُ قَدْ فَرَّجْتَ عّنِّي غَمِّي ... فَنَامَ لَيْلِي وَتَجلَّى هَمِّي
وقال آخر:
وَأَعْوَرَ مِنْ نَبْهَاَن أَمَّا نَهَارُهُ ... فأعْمَى وَأَمَّاَ لَيلُهُ فبصيرُ
فأضاف إلى الوقت، والمراد النبهاني.
ومتى قيل: هلا قال: ذهبت رؤوس أموالهم؟
قلنا: لأنه لما ذكر أنهم اشتروا الضلالة بالهدى تضمن ذلك خسران رأس المال،
فإذا قال: ما ربحوا، دل على المعنيين.