فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 4213

قوله تعالى:

(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ(16)

ويقال: لِمَ دخلت الفاء في قوله: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) ؟

قلنا: لأن في الكلام معنى الجزاء وجوابه، كأنه قال: إذا اشتروا الضلالة بالهدى

فما ربحت تجارتهم، فحمل الكلام على المعنى.

ومتى قيل: كيف قال ذلك وهم لم يكونوا على هدى قط؟

قلنا: للعلماء فيه وجوه:

أولها: أن المراد ب"اشْترَوُا"اختاروا واستحبوا؛ لأن كُلَّ مُشْتَرٍ مُخْتَارٌ لِمَا اشتراه

على ما بذله، وليس بالظاهر في كلام العرب اشتروا بمعنى اختاروا.

وثانيها: أنهم آمنوا ثم كفروا، فهو عموم أريد به الخصوص، عن مجاهد، وليس

بالجيد؛ لأنه صرف الكلام عن ظاهره من غير حجة، ولأن سياق الصفة على خلاف

ما قال.

وثالثها: تركوا الإيمان إلى الكفر، واستبدلوه به، عن ابن عباس وابن مسعود

وأبي علي وجماعة، وهو الأولى.

ورابعها: أنهم ولدوا على الفطرة كما جاء في الخبر، فتركوا ذلك إلى الكفر،

فكأنهم استبدلوا الكفر.

وخامسها: استبدلوا بالإيمان الذي كانوا عليه قبل البعثة؛ لأنهم كانوا يؤمنون

بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويبشرون به، فلما بعث كفروا به، فكأنهم استبدلوا الكفر بالإيمان، عن

مقاتل والكلبي.

وسادسها: أنه لما كان الكافر مُتَمَكِّنًا منهما فاختار الكفر على الإيمان، فقد ترك

الإيمان إليه، وصار كالمستبدل.

وسابعها: أنهم آمنوا ظاهرًا، ثم تركوا الإيمان باطنًا.

ومتى قيل: لِمَ قال:"فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ"، ولَم يقل: ما ربحوا في تجارتهم،

والرابح هو التاجر؟

قلنا: هو فصاحة في كلام العرب، يقال: لَيْلُكَ قَائِم، ونهارك صائم، قال

الشاعر:

حَارِثُ قَدْ فَرَّجْتَ عّنِّي غَمِّي ... فَنَامَ لَيْلِي وَتَجلَّى هَمِّي

وقال آخر:

وَأَعْوَرَ مِنْ نَبْهَاَن أَمَّا نَهَارُهُ ... فأعْمَى وَأَمَّاَ لَيلُهُ فبصيرُ

فأضاف إلى الوقت، والمراد النبهاني.

ومتى قيل: هلا قال: ذهبت رؤوس أموالهم؟

قلنا: لأنه لما ذكر أنهم اشتروا الضلالة بالهدى تضمن ذلك خسران رأس المال،

فإذا قال: ما ربحوا، دل على المعنيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت