قوله تعالى:
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)
"وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ"
النهي وقع على الموت، وهو في الحقيقة واقع على ترك الإسلام، يعني لا تتركوا
الإسلام، ودوموا عليه حتى تموتوا وأنتم مسلمون، وهذا كقولهم: لا أرينك ههنا أي
لا تكن ههنا فأرينك.
وقيل: مسلمون مؤمنون.
وقيل: مخلصون مفوضون أموركم
إلى اللَّه.
(الأحكام)
تدل الآية على وجوب اتقاء جميع المعاصي، واختلفوا فقيل: إنها محكمة غير منسوخة، عن ابن عباس وطاوس وأبي علي وأبي القاسم والأصم وأبي مسلم.
وقيل: منسوخة بقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) عن قتادة والربيع وابن زيد
والسدي، قال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ إلا هذا، قال أبو علي: وهذا
خطأ؛ لأن من اتقى جميع المعاصي فقد اتقى اللَّه حق تقاته، ومثل هذا لا يجوز أن
ينسخ؛ لأنه إباحة لبعض المعاصي، وقال أبو القاسم: هذا القول يوجب الأمر بما لا
يستطاع، وهذا فاسد، قالوا: ومتى لم يشرط الاستطاعة نطقًا فهو مشروط عقلًا؟
لاستحالة تكليف ما لا يطاق، فلا معنى لدعوى النسخ فيه، قال علي بن عيسى:
ويجوز أن يحمل قولهم على وجوه، وهو أنهم ذهبوا إلى أنه يدخل فيه القيام بالقسط
في الخوف والأمن، ويحمل المطلق على تحمل المشقة، و (ما استطعتم) على نفي
المشقة، وقال بعضهم: المراد به الاتقاء المغلظ والمخفف، فنسخ المغلظ
والمخفف، قال القاضي: وهذا بعيد؛ لأن الواجب عليه أن يتقي فيما أمكن، فالنسخ
يدخل في الواجبات لا في التقى، وعلى أنه لا يفهم من الآيتين إلا معنى واحد، فلا
معنى لادعاء النسخ.
وتدل على وجوب التمسك بالطاعة دائمًا إلى أن يموت.
وتدل على المنع من التسويف بالتوبة.
وتدل على وجوب اتباع القرآن والإجماع.
وتدل على ذم الافتراق كما فعله اليهود والنصارى.
وتدل على عظيم نعمه بالرسول والكتاب لما بهما من النجاة من العذاب الدائم.
وتدل على أن الموافقة في الدين أعظم مِنَّة من القرابة في النسب.