(الأحكام)
تدل الآية أنه - صلى الله عليه وسلم - آخر الأنبياء؛ لأنه ذكر أن الرسل خلت من قبله، فَعَمَّ ولم
يخص، وتدل على الإخبار عن موته، وأن طاعته تعالى لا تختلف بحياته وموته، بل
يجب أن يعبد ويطاع في جميع الأحوال، وتدل على أن الجهاد لازم في شريعته.
وتدل على جواز الموت على الأنبياء وأنهم ماتوا، وقد حدث بعد وفاته خلاف
في هذه القصة، ثم زال عن قرب، فكان عمر أنكر موته وتهدد من تزعم أنه مات،
وذكر أن اللَّه تعالى رفعه حتى خرج أبو بكر وقد رأى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وقال: من كان
يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد اللَّه فإنه حي لا يموت، ثم تلا هذه
الآية، وقد طعن بعض الرافضة على أبي بكر في هذا وزعم أنه كالشماتة بموته، وهذا
باطل؛ لأنه أزال شبهة عظيمة، وبَيَّنَ ما يوافق الشريعة وكتاب اللَّه تعالى، وفيه تشجيع
للمؤمنين وتوهين للكافرين، وطعن بعضهم على عمر، فإنه لم يعرف جواز الموت
عليه، وليس كذلك؛ لأنه كان يقول بتأخر موته حتى يظهره على الدين كله، فأزال
ذلك أبو بكر.
وقيل: إنه رأى شماتة المنافقين، فقال ذلك حتى أخبره أبو بكر بموته.
وذكر شيخنا أبو علي في وجه الحكمة في تبقية إبليس، وموت النبي، صلى الله عليه وسلم - أن كلًا
من الخلق مستغن عنه، وإنما لا يستغنى عن اللَّه قط، فإذا أدى الرسول الرسالة وعلم
تعالى أن الصلاح في غيبته عنهم جاز أن يميته ويرفعه إلى جنات السماء، ويكون
الصلاح في تبقية إبليس لشدة المحنة.