فإن قيل: إطلاق الآية يدل على المنع من الأخذ في عموم الأحوال، وقد قال
تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا(4) ، وقال: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)
فكيف التوفيق بين هذه الآيات؟
قلنا: اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: الآية. منسوخة بقوله:(فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)عن ابن زيد، ومنهم من قال: حكم الآية ثابت فلا
يجوز أخذ شيء في عموم الأحوال عن بكر بن عبد اللَّه المزني، ومنهم من قال: هذا
على وجهين: إن كان النشوز من جهتها فله أخذ الفدية بتلك الآية، وإن رضيت
بإسقاط المهر فله أخذها بالآية الأخرى، وهو بمنزلة ابتداء هبة وليس باسترداد. وإن
كان النشوز من جهته، وهو يريد الاستبدال فلا يحل أخذ شيء، وهذا هو الصحيح،
ولا بد في الآية من تقدير وإضمار كأنه قيل: لا تأخذوا منه شيئًا إلا بأمرين: أحدهما:
أن يكون الأخذ بحق، والثاني: أن يكون بطيب نفس منها، يدل عليه أن وصف الأخذ
بالبهتان يُنْبِئُ عن ذلك، لأن ما يؤخذ بهذين الوجهين لا يوصف بذلك فيما يأخذه
عند الخلع، والطلاق قبل الدخول يأخذه بحق، وذكر الأصم قال: قد بلغني أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لثابت بن قيس بن شماس حين كرهته امرأته وأرادت فراقه:"خذ منها ما"
أعطيتها"، فقال: هل يحل لي ذلك، وقد أفضى بعضنا إلى بعض؟ قال:"نعم"."
ويدل قوله:"وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ"على أن الأخذ إنما يحرم إذا حصل الإفضاء، وقد
بينا، ثم أكد النهي بقوله:"وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا"والأظهر ما هو يوجبه عند عقد
النكاح من إعطاء المهر والنفقة، وحسن العشرة، وإن لم يؤخذ منها إلا بطيب نفس
منها عن القاضي.