فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 4213

مِنْ شَيْءٍ فَأُولَئِكَ الْقَدَرِيَّةُ وَإِنْ كَانُوا يُشْبِهُونَ الْمَجُوسَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ أَثْبَتُوا فَاعِلًا لِمَا اعْتَقَدُوهُ شَرًّا غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَهَؤُلَاءِ شَابَهُوا الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} فَالْمُشْرِكُونَ شَرٌّ مِنْ الْمَجُوسِ فَإِنَّ الْمَجُوسَ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى حِلِّ نِسَائِهِمْ وَطَعَامِهِمْ وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ نِسَائِهِمْ وَطَعَامِهِمْ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لَا يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَجُوسُ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْبَلْ الْجِزْيَةَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ؛ بَلْ قَالَ {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؛ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ} . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ الْقَدَرَ وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى إبْطَالِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَهُوَ شَرٌّ مِمَّنْ أَثْبَتَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَلَمْ يُثْبِتْ الْقَدَرَ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ بَلْ بَيْنَ جَمِيعِ الْخَلْقِ فَإِنَّ مَنْ احْتَجَّ بِالْقَدَرِ وَشُهُودِ الرُّبُوبِيَّةِ الْعَامَّةِ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ وَأَهْلِ الطَّاعَةِ وَأَهْلِ الْمَعْصِيَةِ لَمْ يُؤْمِنْ بِأَحَدِ مِنْ الرُّسُلِ وَلَا بِشَيْءِ مِنْ الْكُتُبِ وَكَانَ عِنْدَهُ آدَمَ وَإِبْلِيسُ سَوَاءً وَنُوحٌ وَقَوْمُهُ سَوَاءً وَمُوسَى وَفِرْعَوْنُ سَوَاءً وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ وَكُفَّارُ مَكَّةَ سَوَاءً. وَهَذَا الضَّلَالُ قَدْ كَثُرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ لَا سِيَّمَا إذَا قَرَنُوا بِهِ تَوْحِيدَ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ وَالْمَشِيئَةِ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِ الْمَحَبَّةِ وَالْبُغْضِ وَالرِّضَى وَالسَّخَطِ الَّذِينَ يَقُولُونَ:"التَّوْحِيدُ"هُوَ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ. وَ"الْإِلَهِيَّةُ"عِنْدَهُمْ هِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ وَلَا يَعْرِفُونَ تَوْحِيدَ الْإِلَهِيَّةِ وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَأْلُوهُ الْمَعْبُودُ وَأَنَّ مُجَرَّدَ الْإِقْرَارِ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ لَا يَكُونُ تَوْحِيدًا حَتَّى يَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} . قَالَ عِكْرِمَةُ: تَسْأَلُهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَيَقُولُونَ اللَّهُ وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ وَهَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ التَّحْقِيقَ وَالْفَنَاءَ فِي التَّوْحِيدِ وَيَقُولُونَ إنَّ هَذَا نِهَايَةُ الْمَعْرِفَةِ وَإِنَّ الْعَارِفَ إذَا صَارَ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَا يَسْتَحْسِنُ حَسَنَةً وَلَا يَسْتَقْبِحُ سَيِّئَةً لِشُهُودِهِ الرُّبُوبِيَّةَ الْعَامَّةَ والقيومية الشَّامِلَةَ. وَهَذَا الْمَوْضِعُ وَقَعَ فِيهِ مِنْ الشُّيُوخِ الْكِبَارِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت