ومتى قيل: فلماذا خاطب الجن دون الإنس؟
قلنا: لوجهين: أحدهما: زيادة في الاستخفاف إذْ لم يكن لهم أنفة حتى صاروا
تبعًا للجن، كمن رأى عالمًا مع قوم فسقة فيخاطبهم ولا يخاطبه استخفافًا به.
وقيل: لأنهم اجتهدوا في الإضلال حتى أضلوهم.
ومتى قيل: أي استمتاع للجن بالإنس؟
قلنا: فيه أقوال:
الأول: تزيين من الأمور التي يهوونها حتى يسهل عليهم فعلها.
والثاني: لاتباعهم إياهم ولا سرور ممن يهوى يريد من غيره شيئًا ويدعوه إليه
فيجيبه ويتبعه.
الثالث: أنهم كانوا يعوذون بهم كما قال تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ)
عن الحسن وابن جريج، والاستعاذة بهم تعظيم لهم واعتقاد أنهم
يقدرون على النفع والضر، والخير والشر، والصحة والمرض، والحب والبغض، وقد
[كان الرجل إذا سافر وخاف الجن في سلوك طريق قال أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه] [1] ، فيكون في جوار منهم.
الرابع: هو طاعة بعضهم لبعض وموافقة بعضهم بعضًا، عن محمد بن كعب.
وقيل: استمتاع الجن بالإنس إغواؤهم واتباع الإنس إياهم، واستمتاع الإنس
بالجن ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة.
وقيل: استمتاعهم بالإنس حَثُّهُمْ إياهم على محاربة المسلمين الَّذِينَ هم أعداء
شياطين الإنس والجن، وإيذاؤهم، فَيُسَرُّون بذلك، كما يحمل الملوك من مؤن
العساكر لقهر غيره من الأعداء، ولا منفعة أعظم من ذلك.
[1] العبارة هكذا في المطبوع: [وقد نجد الآن قومًا يعتقدون هذا الوادي من سفهاء قومه، فيكون في جوار منهم] ، والتصويب من مجمع البيان، للطبرسي. اهـ.