قالوا في الروايتين: فدعا بلعم على موسى فوقع موسى في التيه ومنع من
الوصول إلى الجبارين، فقال موسى: يا رب لأي شيء أوقعتنا في التيه؟ فقال: بدعاء
بلعم، فقال: اللَّهم اسلب عنه الإيمان، فسلب إيمانه.
وهذا باطل لأنه - تعالى - أمر موسى بالقتال ودخول مدينة الجبارين، فلا يمنعه منه ولا يسمع عليه دعاء كافر،
ولأن من دعا على بني إسرائيل كفر، ولا يجوز أن يقع التيه بسببه [1] ، وقد ذكر اللَّه في
سبب التيه غير ذلك على ما قصه في كتابه، وبعد فلا يجوز على نبي اللَّه أن يسأل
اللَّه سلب إيمان أحدٍ؛ لأن الرضا بالكفر كفر، فكيف يجوز على نبي دعاء ذلك؟
ورووا في بعض الروايات أنه لما كفر قال: لا أجاب ولكن أحتال، ثم أرسل
نساء الكنعانيين إلى بني إسرائيل فكثر فيهم الزنا فوقعت فيهم، وهلك في ساعة سبعون
ألفًا، وكان ذلك سببًا للتيه، وقد ذكر اللَّه - تعالى - سبب التيه، ولم يذكر ما قالوا،
وليس في ظاهر هذه الآية إلا أنه آتاه الآيات فانسلخ منها، فإذا لم يدل عليها الظاهر،
ولا روي من وجه صحيح، فلا وجه لقبوله.
ورووا في بعض الأخبار أنه لما توجه ليدعو على موسى ركب أتانًا فلم يمشِ،
وقال: ويحك يا بلعم، أتدعو على نبي اللَّه والمؤمنين، وهذا إن صح فهو معجزة
لموسى (عليه السلام) ؛ لأنه لا يجوز إظهار المعجزة على الكذابين، وإنما ذكرنا طرفًا
من هذا الحديث، وإلا فرواياتهم طويلة نبهنا على جملتها.
[1] كلام في غاية الحسن أجاد فيه المؤلف، ولهذا نذكر هذه القصص والروايات الواهية لننبه على زيفها ونظهر عوارها، وهي لا تخفى على العلماء المحققين، والله أعلم.