ومنها زعمه أن أبا طالب مات على الإسلام.
قال ما نصه:
وذكروا أن أبا طالب لم يسلم، وأسلم وحشي.
وهذه رواية غير صحيحة؛ لأنه كان رسول اللَّه - صلى الله عليه - يحب إيمانه،
فاللَّه تعالى أيضًا يحب إيمانه؛ لأن الرسول لا يخالف في إرادته إرادة الله، كما لا
يخالف في أوامره أمر اللَّه، وكان لأبي طالب عند النبي - صلى الله عليه وسلم - أيادٍ مشكورةٌ عند اللَّه
تعالى، وقد روي أنه أسلم، وفي إسلامه إجماع أهل البيت، وهم أعلم بأحواله، ومن
حديث الاستسقاء أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"لله در أبي طالب لو كان حَيًّا لقرت به عيناه"، ولا
يجوز أن يقول، لكافر: لله دَرُّهُ، وكيف تقر عينا كافر بمعجز رسول اللَّه، وقد روي
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعاه فأسلم، وما يروون أن عليًّا قال: إن عمك الضال قد مات، فقال:
"اذهب فَوَارِهِ"، فلا يليق بكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه، ولا بكلام عليٍّ في أبيه، فهو من
روايات النواصب، والقوم يقولون: إنه تعالى لم يرد إيمان أبي طالب وأراد كفره،
والنبي - صلى الله عليه وسلم - أراد إيمانه، وهذا مخالفة بين الرسول والمرسِلِ، قال: فنزلت الآية، فعلى
روايتهم واعتقادهم الفاسد كأنه تعالى يقول: إنك تحب إيمانه، وأنا لا أخلق فيه
الإيمان مع محبته لك وعظم نعمته عليك، وتكره إيمان وحشي لقتله عمك حمزة،
وأنا أخلق فيه الإيمان، وهذا نوع مغالطة واستخفاف لا يليق بالرسول، فإذًا الصحيح
أن الآية نزلت في جميع المكلفين، وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يحب هدايتهم جميعًا، وكان حريصًا
على إيمانهم، ويغمه كفرهم، فنزلت الآية [1] .
وأما قوله: (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى) نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف،
[1] قلت: الراجح أن أبا طالب لم يسلم، كما في البخاري. والله أعلم.