(المعنى)
بدأ بذكر القصاص في الدماء والجراح؛ لأنه أهم، فقال تعالى: (كُتِبَ عَلَيكُمُ)
يعني فرض عليكم، وهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين: أحدهما: قوله: (كتِبَ) ؛
لأنها في الشرع يُعَبَّرُ بها عن الوجوب، والثاني: قوله: (عَلَيكُمُ) ؛ لأنه ينبئ عن الوجوب،
كقوله تعالى: (وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ) ويقال: لفلان على فلان حق،
وقيل: معنى (كتب) أن هذا الوجوب كتب عليهم في أم الكتاب"الْقِصَاصُ"يعني
المساواة، فيفعل بالقاتل مثل ما فعله بالمقتول.
ومتى قيل: كيف يجب القصاص مع تخيير الأولياء، فإنه مخير بين فعله وتركه،
والمقتص منه لا فعل له فيه ولا وجوب عليه، وإن صح وجوبه فعلى من يجب؟
أما الأول ففيه قولان: الأول: فرض ذلك إن اختار الولي القصاص.
وقيل: كتب عليكم التمسك بما حد لكم دون التعدي فيما ليس لكم.
فأما من يجب عليه ففيه قولان:
الأول: يجب على من يتولى القصاص، وهو الإمام ومن يجري مجراه، وقد
جرى ذكره؛ لأنه من جملة المؤمنين.
والثاني: يجب على القاتل تسليم النفس عند مطالبة الولي، وليس له الامتناع كما
للزاني والسارق الهرب من الحد، وإنما كان كذلك؛ لأنه حق آدمي إلا أنه يجب
عند شرائطه في المقتول والقتل والآلة والقاتل، فإذا تكاملت الشرائط يجب حَقًّا
للولي، ثم اختلفوا في الاستيفاء، فعند مشايخنا استيفاء القصاص إلى الإمام فقط، أو
من يجري مجراه، وعند أكثر الفقهاء لولي الدم أن يستوفي في القتلى جماعة
القتيل، ولا خلاف أن المراد به قتل العمد؛ لأن العمد هو الذي يجب فيه القصاص
دون الخطأ، وشبه العمد، وسنبين ذلك في الأحكام.