فهرس الكتاب

الصفحة 1003 من 4213

وتدل [الآية] على إعجاز القرآن، وأنه كلام اللَّه تعالى؛ لأن العرب تقول في أمثالهم:

"القتل أنفى لطقتل"، وقالوا: أَكِثْرَ القتلَ لِيَقِلَّ القتلُ، فورد القرآن بما هو أحسن

وأزجر وأصح في المعنى من وجوه كثيرة.

منها: كثرة الفوائد، ووضوح المعنى مع الإيجاز في العبارة والبعد عن الكلفة،

مع حسن تأليف الحروف، وفيه خمسة أوجه:

أما كثرة الفوائد فلأن فيه كل ما في قولهم: القتل أنفى للقتل، وفيه زيادات كثيرة.

أولها: بأنه العدل لذكر القصاص.

وثانيها: بأنه الغرض المرغوب فيه بذكر الحياة.

وثالثها: الاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم اللَّه به.

ورابعها: أن في المَثَل بيان القتل فقط، وفي الآية بيان القتل وسائر الجراح.

وخامسها: أن المثل لا ينبئ أن غير القاتل لا يقتل، والآية تنبئ عن ذلك.

فأما وضوح المعنى فلأنه قال:"وَلَكُم"فبين من له الحياة، وليس في المثل

ذلك، ولأن قولهم:"القتل أنفى للقتل"، ليس فيه بيان أي قتل أنفى للقتل، ونحن نعلم أن من القتل ما يؤدي إلى قتلٍ كثيرٍ، وفي الآية بيان ذلك، وهو وجوب القصاص، ولأن في المثل لا يمكن تقدير وجوب القتل، فلا بد من حمله على وقوعه، ووقوعه لا يكون سببًا للحياة فصار ذلك كالناقص، وفي الآية تقرير الوجوب

ممكن، فتتكامل فائدة بقاء الحياة في الجميع.

فأما الإيجاز فلأنه مع قلة حروفه يدل على معان خمسة كما بينا مما لا يدل عليه

المثل، وحروف الآية اثنا عشر حرفًا"فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ"، وهو مستقل بنفسه يعني

بغير"وَلَكُمْ"، وحروف المثل أربعة عشر حرفًا.

فأما البعد عن الكلفة فلأن المثل يشتمل على ألفاظ مكررة ينفر منها الطبع،

ويمجها السمع، والآية تشتمل على ألفاظ تقبلها القلوب، وتدخل على السمع بغير حجاب.

وأما حسن التأليف: فلأن الآية مؤلفة من حروف متلائمة تدرك حِسِّيًّا بخلاف

المثل، وكل ذلك ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت