وإنما نبه تعالى بذلك على أشياء:
منها: علمه بجميع أحوال الخلق حين كان نطفة في أصلاب الآباء، ثم مضغة في
أرحام الأمهات، ثم خروجه حيًا إلى الأرض ولبثه فيها، ثم ميتًا في القبر، ثم مبعوثا
للحشر.
ومنها: تصريفه له بهذه الأحوال دالًا على حدثه وأنه مصنوع، وعلى أنه صانع.
ومنها: تدبيره له في كل موضع على ما تقتضيه الحكمة، ورزقه وسيره وغير
ذلك.
ومنها: نبه أن الخلق بالعادة لا يتكامل إلا بأشياء:
ومنها: النطفة تتدفق من أصلاب الآباء إلى أرحام النساء، وتنضاف إليها نطف
النساء، فيكون الخلق من النطفتين، وتتكون في الرحم، وينسد فم الرحم، ثم يحييه،
ويوصل إليه رزقه حتى يأتي أوان الخروج، فيخرجه على أتم تقدير.
ومنها: أنه يكون ماء دافقًا، ثم يصير عَلَقَةً، ثم مضغة، ثم بشرًا سويًّا حيًّا ناطقًا
في أحسن تقويم، وكل ذلك مما لا يقدر عليه إلا القادر للذات، المتنزه عن شبه
الأشياء، المبرأ عن الآلات والجوارح.
قوله:"قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ"تفكروا فعلموا دون مَنْ أعرض
عنه، وإنما خصهم بالذكر؛ لأنهم ينتفعون بها ويهتدون، وإلا فهو هَدْيٌ للجميع.