(قصة يوسف -عليه السلام -)
وأما الفرقة الثانية اختلفوا فيه، ورووا ما لا يليق بالأنبياء، فأضافوه إلى السلف،
وهم عنه براء، وأطالوا الكلام فيه، وجملته أن بعضهم قال: قعد بين رجليها ينزع
ثيابه، ورووه عن ابن عباس، وبعضهم قال: حل تكة سراويله، ورووه عن
سعيد بن جبير.
وقيل: جمع بينهما الشيطان، عن الضحاك، وزادوا شيئًا يقبح إضافته
إلى الأنبياء، وقد نزهه اللَّه تعالى عن ذلك بقوله:"كَذَلِكَ لِنَصرفَ عَنْهُ السُّوءَ"
وَالْفَحْشَاءَ"، وقال:"إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ"وقال يوسف:(ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّي لَمْ أَخُنْهُ"
بِالْغَيبِ) وقالت امرأة العزيز: (أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) .
فأما البرهان الذي رآه فقد اختلفوا فيه على أقوال:
أولها: هو حجة اللَّه بتحريم الزنا والعلم بما على الزاني من العقاب، عن
محمد بن كعب وأبي علي.
وقيل: هو ما أتاه اللَّه من آداب أنبيائه في العفاف وصيانة
النفس عن الأرجاس، عن أبي مسلم.
وقيل: رأى مكتوبًا في سقف البيت(وَلَا تَقْرَبُوا
الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)وقيل: هو النبوة المانعة من ارتكاب
الفواحش، عن الصادق - عليه السلام -.
وقيل: كان في ذلك البيت صنم فسترته بأن ألقت عليه
ثوبًا، وقالت: أستحي منه، فقال يوسف: تستحي من الصنم وأنا لا أستحي من
الواحد القهار؟ عن علي بن الحسين - عليهما السلام -.
وقيل: هو ما آتاه اللَّه من
العلم والحكمة، فكل هذه الوجوه مما يصح، ويكون لطفا من اللَّه امتنع لأجله من
الفاحشة، وقد روي في ذلك أشياء بعيدة، فقيل: البرهان أنه سمع قائلًا يقول: ياابن
يعقوب، لا تكن كالطير له ريش فإذا زنا ذهب ريشه.
وقيل: بل سمع: أنت مكتوب
في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء.
وقيل: رأى صورة يعقوب عَاضًّا على أنامله، عن
ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك.
وقيل: رأى
صورة الملك، عن ابن عباس، فإن ثبت هذا فالمراد به صور في نفسه صورة يعقوب،