(الأحكام)
تدل الآية على أن القوم أتوا بما في وسعهم من التمويه، وكان الزمان زمان سحر
والغالب عليهم الاشتغال به، فأتى موسى (عليه السلام) من جنس ما هم فيه ما لم
يقدر عليه أحد، ليعلموا أنه معجز، وليس بسحر، وهكذا ينبغي في المعجز أن يكون
من جنس ما هو شائع في القوم ويتعذر عليهم مثله، وكان الطب هو الغالب في زمن
عيسى، فجاء بإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص، وليس ذلك في وسع طبيب،
وكان الغالب في زمان نبينا - صلى الله عليه وسلم - الفصاحة والخطب والشعر، فجاء بالقرآن وتحداهم به.
وتدل على أنَّهم بالحيل جعلوا الحبال والعصي متحركة حتى أُوهم أنها أحياء،
ولكن لما وقف على أصل ما فعلوه وعلم وكان مثله مقدورًا لكل من يتعاطى
صناعتهم علم أنه شعبذة، ولهذا تفارق المعجزة الشعبذة أنه يوقف على أصله ويمكن
إتيان مثله ولا يخفى أمره، بخلاف المعجزة.
وتدل علي أن من شاهدها كانوا عوامًا لا علم لهم بالتوحيد، وإلا كانوا يعرفون
أن الحياة لا يقدر عليها غير اللَّه تعالى.
وتدل أنهم لم يعلموا صحة أمر موسى، وإلا لما عارضوه بذلك.
وتدل على اعتراف فرعون بالذل والضعف؛ حيث يستعين بهم ويمنيهم لدفع
مكروه عنه.
وتدل على فقر السحرة حيث طلبوا، ولو كانوا يقدرون على تحويل الأشياء لما
احتاجوا إلى من يعطيهم، وكل ذلك دليل على أنهم كانوا مموهين.