ومن ذلك طعنه في الأحاديث المتواترة:
منها قوله:
ورووا أن إبراهيم كذب ثلاث كَذِبَاتٍ: أحدها: قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ)
وثانيها: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) ، وثالثها: قال لسارة: هي
أختي، وهذا مع كونه من الآحاد من أضعف الروايات [1] ، ولعله من دسيس الملحدة؛
لأن الكذب لا يجوز على الأنبياء، ولو جاز ثلاثة جاز أربعة وأكثر فلا تبقى ثقة بقوله،
ولا يقال: أُذِنَ له فيه؛ لأن اللَّه تعالى لا يأذن في القبيح والكذب، على أن لكل
شيء من ذلك تأويلًا صحيحًا، فإن ثبت فلماذا يحمل على الكذب؟ وقوله:(إِني
سَقِيمٌ)سنبينه في موضعه، ولعله كان سقيمًا فما المانع من ذلك.
وقيل: عندكم (إِني سَقِيمٌ) في ديني.
وقيل: في قوله: سارة أختي في الدين
كقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) بغرض ذلك.
ومتى قيل: لِمَ قال:"فاسألوهم"ولم يقل: فاسألوه وإنما أراد الكبير؟
قلنا: لأنه كان منهم كالأمير عندهم، يعظمونه أكثر من تعظيم ما سواه،
فخاطب بلفظ العظماء على حسب اعتقادهم واستهزائهم.
وقيل: أراد فاسألوهم
بأجمعهم مع كبيرهم.
"فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ"قيل: تلاوموا بينهم ورجع بعضهم إلى بعض كقوله:
(فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) ، وقوله: (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) وقيل:
[1] قلتُ بل هو من أقوى الروايات وأعلاها، فقد رواه البخاري برقم 3358 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:"لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَّا ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَوْلُهُ {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] . وَقَوْلُهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] . وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلاَ تُكَذِّبِينِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا، قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ"قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ. اهـ (والله أعلم) .