قوله:"رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ"
ذكر شيخنا أبو علي فيه ثلاثة أوجه:
أولها: أن اللام لام العاقبة، وهو ما يؤول إليه الأمر، كقوله: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)
وكقول الشاعر:
لِدُو لِلْمَوْتِ وابْنُو لِلخَرَابِ
وقال آخر:
أَاُمَّ سِمَاكٍ فَلاَ تَجْزَعِي ... فَلِلْمَوْتِ مَا تَلِدُ الوَالِدَهْ
فلما كان المعلوم من حالهم أنهم يضلون، وإن كان تعالى آتاهم الزينة لكي
يطيعوا صار كأنه آتاهم ذلك ليضلوا، وتقدير الكلام: ربنا إنك آتيتهم الأموال والزينة،
فكان عاقبة ذلك أنهم ضلوا، وهو قول الأخفش، وقطرب.
الثاني: لئلا يضلوا عن سبيلك، فحذفت (ألا) ، نحو قوله: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)
أي: لئلا تضلوا، وكقوله: (بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا)
أي: لئلا تقولوا.
الثالث: قال ذلك على وجه الاستفهام، والمراد الإنكار، أن يكون آتاهم الأموال
ليكفروا، وأ نشد:
كَذَّبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالاَ
يعني: أكذبتك.
وقال آخر:
بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ
وكذلك أراد موسى آتيتهم الزينة ليضلوا، وأراد تحقيق الإنكار، أي: لمْ تؤتهم
لذلك، ولكن جعلوها آلة للضلال والإضلال.
وذكر أبو مسلم وجها رابعًا، فقال: معناه إنك آتيتهم ذلك في الدنيا لما علمت
منهم الكفر، فإنهم لا يؤمنون لتعذبهم بها في الحياة الدنيا، وتخذلهم بكفرهم، فلا
يؤمنوا، فإذا ماتوا أدخلتهم النار، وأضللتهم عن سبيلك التي هي سبيل الجنة،
وتقديره: ربنا آتيتهم ذلك لأجل كفرهم عقوبة لهم، كقوله: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ) إلى
قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا) .