(الإعراب)
(مِن) في قوله:"قُدَّ مِنْ دُبُرٍ"قيل: لابتداء الغاية إذ ابتداء القد كان منها، و (مِن)
الثانية للتبعيض، أي: هو بعض الكاذبين، وإنما قال:"مِنَ الْخَاطِئِينَ"ولم يقل من
الخاطئات لتغليب المذكر على المؤنث إذا اختلط.
(المعنى)
ثم بَيَّنَ تعالى ما جرى بينهما، ونزه نبيه عن كل سوء، فقال سبحانه:"وَلَقَدْ هَمَّتْ"
بِهِ وَهَمَّ بِهَا"أي: قصدت هي، وقصد هو."
واختلف العلماء فيه على قولين:
منهم من قال: لم يوجد من يوسف ذنب كبير ولا صغير [1]
ومنهم من قال: بل وجد منه، ثم انصرف وندم.
فأما الأولون اختلفوا في معنى الآية على أقوال: فقيل: همها القصد والعزيمة،
وهمه الشهوة وميل الطبع، عن الحسن، وأبي علي، قال الحسن: كان همها أخبث
الهَمِّ، وأما همه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء، ويقال: همنى كذا: أي
اشتهيت، وعلى هذا:"لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبّهِ"يتعلق بمحذوف، تقديره: ولولا أن
رأى البرهان لَعَزَمَ ولَفَعَلَ.
وقيل: همها القصد، وهمه تمناها أن تكون له زوجة، عن
الضحاك، عن ابن عباس.
وقيل: الهم علق بما لا يصح تعليق العزم والإرادة به؛
لأنها موجودة باقية، فالذي يتعلق به الهم محذوف في الجانبين، فلا بد من إضمار،
فكأنه قال: ولقد همت به أرادت الفاحشة منه، وهم بها لضربها ومنعها عن نفسه، كما
يقال: هممت بفلان أي: بضربه وإيقاع مكروه به، ومعنى"لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ"أي:
لولا البرهان لضرب، ولو ضرب لأهلكه أهله، أو كانت تدعي عليه المراودة على
القبيح، وأنه ضربها لامتناعها، فأراه اللَّه تعالى البرهان ليمتنع من الضرب، وتقديره:
وهم بضربها ودفعها، ولولا أن رأى برهان ربه لضرب فجواب (لولا) محذوف على
هذا المعنى أيضًا.
وقيل: في الآية تقديم وتأخير، أي: ولقد همت به ولولا أن رأى
برهان ربه لهمَّ بها، وهذا قول أبي مسلم وجماعة، وأنكر هذا الوجه الزجاج
وعلي بن عيسى وضَعَّفَاه، وعللا بوجهين: أحدهما: أنه لا يجوز تقديم جواب (لولا) .
والثاني: أن جوابه يكون باللام كقوله: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ(143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) .
[1] هذا ما ندين لله تعالى به في قصة الهم، لمكان العصمة، والله أعلم.