وممن أجازه جماعة من أهل العربية، وقالوا: يصح أن يقال:
لقد قُتِلْتَ لولا أن خلصتك، وقد قال تعالى:(إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ
رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا).
وقيل: همها العزيمة، وهمه ما يخطر بباله من أمرها،
ووسوس إليه الشيطان بالدعاء إليها من غير أن يكون منه عزم، عن الأصم، فسمي
الخطور بالبال همًا من حيث كان الهم في الأكثر يقع عنده، والعزم يتبعه، والعرب
تسمي الشيء باسم ما يقع عنده.
وأما الفرقة الثانية اختلفوا فيه، ورووا ما لا يليق بالأنبياء، فأضافوه إلى السلف،
وهم عنه براء، وأطالوا الكلام فيه، وجملته أن بعضهم قال: قعد بين رجليها ينزع
ثيابه، ورووه عن ابن عباس، وبعضهم قال: حل تكة سراويله، ورووه عن
سعيد بن جبير.
وقيل: جمع بينهما الشيطان، عن الضحاك، وزادوا شيئًا يقبح إضافته
إلى الأنبياء، وقد نزهه اللَّه تعالى عن ذلك بقوله:"كَذَلِكَ لِنَصرفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ"،
وقال:"إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ"وقال يوسف:(ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّي لَمْ أَخُنْهُ
بِالْغَيبِ)وقالت امرأة العزيز: (أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) .
فأما البرهان الذي رآه فقد اختلفوا فيه على أقوال:
أولها: هو حجة اللَّه بتحريم الزنا والعلم بما على الزاني من العقاب، عن
محمد بن كعب وأبي علي.
وقيل: هو ما أتاه اللَّه من آداب أنبيائه في العفاف وصيانة
النفس عن الأرجاس، عن أبي مسلم.
وقيل: رأى مكتوبًا في سقف البيت(وَلَا تَقْرَبُوا
الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)وقيل: هو النبوة المانعة من ارتكاب
الفواحش، عن الصادق - عليه السلام -.
وقيل: كان في ذلك البيت صنم فسترته بأن ألقت عليه
ثوبًا، وقالت: أستحي منه، فقال يوسف: تستحي من الصنم وأنا لا أستحي من
الواحد القهار؟ عن علي بن الحسين - عليهما السلام -.
وقيل: هو ما آتاه اللَّه من العلم والحكمة، فكل هذه الوجوه مما يصح، ويكون لطفا من اللَّه امتنع لأجله من
الفاحشة، وقد روي في ذلك أشياء بعيدة، فقيل: البرهان أنه سمع قائلًا يقول: ياابن
يعقوب، لا تكن كالطير له ريش فإذا زنا ذهب ريشه.
وقيل: بل سمع: أنت مكتوب
في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء.
وقيل: رأى صورة يعقوب عَاضًّا على أنامله، عن
ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك.
وقيل: رأى
صورة الملك، عن ابن عباس، فإن ثبت هذا فالمراد به صور في نفسه صورة يعقوب،