فهرس الكتاب

الصفحة 3176 من 4213

(الأحكام)

في الآية تعليم من اللَّه لعباده من مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، وتدبير المصالح

دينًا ودنيا ما يغني عن كل وعظ مع قلة هذه الأحرف عن الكتب المصنفة في مكارم

الأخلاق؛ لأن الآية تشتمل على جميع ذلك في خاص نفسه، وفي معاملة الناس،

وقوله:"خذ العفو"فبدأ بنفسه في الأخذ بالتساهل وذلك بين الغلو والتقصير؛ كي

يسلم من هَمٍّ يعود إليه أو وجه يعود إلى غيره، فأمر بالتساهل ليزول هذان، ويأخذ

بالأسهل في معاملته للناس وأولاده وأقربائه ومع أعدائه في قبول المعاذير، وكذلك

يدخل فيه ترك التشدد في الدين، فلا تغلو ولا تقصر؛ لأن الحق بين الغلو والتقصير،

وكذلك الرضا بما أوتي توكلًا على ربه ورِضًا بما ابتلي به، فيذهب الجزع ويكون

شاكرًا صابرًا، فهذه جملة يطول تفصيلها.

ثم بَيَّنَ - تعالى - من يَتَعَدَّى نَفْسَهُ إلى غيره من الأخلاق الشريفة من الأمر

بالمعروف، فيدخل فيه كل معروف في دين أو دنيا عقلًا وشرعًا، ويدخل فيه النصيحة

للناس، والدعاء إلى الدين، والهداية إلى منافع الدنيا، ولَمَّا كان الناصح لغيره

كالمعرض لعداوتهم تلت بما يحتاج إليه في ذلك فقال:"وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ"بأن

تسلك معهم طريقة السلامة فتقل العداوات والخصومات، فبذلك تتكامل للمرء منافع

الدين والدنيا.

وتدل على وجوب التعليم؛ لأنه ما لم يُعَلَّم لا يمكنه الفرق بين المعروف

والمنكر حتى يأمره بالعرف.

وتدل على وجوب الاستعاذة بِاللَّهِ دفعًا لشر الشيطان، وإنما خص الشيطان

بالذكر، وإن كان الواجب الانقطاع إليه في دفع شَرِّ كل أحد لوجهين:

أحدهما: أن مغالبته ومقاتلته تتعذر، ولا طريق لدفعه إلا بالاستعاذة.

والثاني: أنه يوسوس من طريق يشتبه ويوافقه هوي النفس فوجب الاستعاذة به

بدفعه.

وتدل على أن الاستعاذة به عند دعاء المبتدع وإغواء الإنس، وهوى النفس؛

لأن ضرر جميع ذلك أعظم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت