فهرس الكتاب

الصفحة 1040 من 8432

وَالثَّانِي: أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ عَمِلَ عَلَيْهِ إِمَامَانِ ، أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَيْهِمَا ، وَلَمْ يَعْمَلْ عَلَى رِوَايَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَابْنِ حَزْمٍ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا اتُّفِقَ عَلَى تَرْكِهِ ، وَهُوَ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ: خَمْسُ شِيَاهٍ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ مُجْمَعٌ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ . فَإِنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ بِأَنْ كَتَبَهَا فِي صَحِيفَةٍ دُونَ سَائِرِهَا مِنَ الْفُرُوضِ ؛ مِنَ الصَّلَاةِ وَمَوَاقِيتِهَا ، وَالصِّيَامِ وَأَحْكَامِهِ ، وَالْحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ ، وَلَا اقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْلِ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْلِ فِي غَيْرِهِ ؟ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَنُصُبَهَا وَمَقَادِيرَهَا الْوَاجِبَ فِيهَا وَأَسْنَانَ الْمَأْخُوذِ مِنْهَا ، لَمَّا طَالَ وَصَعُبَ احْتَاجَ إِلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ دُونَ سَائِرِهِمْ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً ، بِخِلَافِ الْفُرُوضِ الْمُتَرَادِفَةِ عَلَى الْكَافَّةِ ، أَوْدَعَ ذَلِكَ كِتَابًا لِيَكُونَ أَحْفَظَ لَهُ وَأَضْبَطَ ، فَكَانَتْ نُسْخَةُ ذَلِكَ فِي قِرَابِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَخَذَهَا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ فَكَانَ يَعْمَلُ عَلَيْهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ ، ثُمَّ مَاتَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَمِلَ بِهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ .

فَصْلٌ: أَوَّلُ مَا ابْتَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نُسْخَتِهِ أَنْ كَتَبَ"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِثْبَاتِ التَّسْمِيَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْكُتُبِ ، وَدَلَّ عَلَى نَسْخِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ ، مِنْ قَوْلِهِمْ بِاسْمِكِ اللَّهُمَّ ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي ابْتِدَاءِ الْكُتُبِ ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ أَبْتَرُ"يُرِيدُ لِمَنْ يَبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، ثُمَّ قَالَ"هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ"، فَبَدَأَ بِإِشَارَةِ التَّأْنِيثِ ، لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهَا مُؤَنَّثًا ، وَقَوْلُهُ"فَرِيضَةُ"، يَعْنِي نُسْخَةُ فَرِيضَةِ الصَّدَقَةِ ، فَحَذَفَ ذِكْرَ النُّسْخَةِ وَأَقَامَ الْفَرِيضَةَ مَقَامَهَا ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ وَاحِدٌ ، بِخِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ . ثُمَّ قَالَ:"الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ"، يَعْنِي: الَّتِي قَدَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا يُقَالُ: فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ أَيْ قَدَّرَهَا ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ:"الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهَا"، فَكَانَ فِي ذَلِكَ بَيَانٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَوْجَبَهَا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّرَهَا ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ أَنَّهُ قَامَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِنَا ؟ فَقَالَ: اللَّهُ أَمَرَنِي بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ"عَلَى الْمُسْلِمِينَ"، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَمَنْ يُسْأَلْهَا فَلْيُعْطِهَا"، يُرِيدُ مَنْ سَأَلَكُمُ الزَّكَاةَ مِنَ الْوُلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَثْبَتُّهُ ، وَكَانَ عَدْلًا ، فَأَعْطُوهُ . ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِهِ"يُرِيدُ مَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت