وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إِنْ أَقْرَرْتَ لِي بِحَقِّي فَقَدْ أَبْرَأْتُكَ مِنْ خَمْسِينَ دِينَارًا فَأَقَرَّ لَمْ يُبْرَأْ مِنْ شَيْءٍ ، لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْبَرَاءَةِ بِشَرْطٍ لَا يَصِحُّ . فَإِنْ حَطَّ الْبَاقِيَ بِغَيْرِ لَفْظِ الْإِبْرَاءِ فَقَالَ: قَدْ صَالَحْتُكَ مِنَ الْمِائَةِ عَلَى خَمْسِينَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: لَا يَصِحُّ . وَالثَّانِي وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ: يَصِحُّ . وَتَوْجِيهُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ عَنْهُمَا فِيمَا بَعْدُ . وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا قَائِمَةً فَصُورَتُهُ: أَنْ يَدَّعِيَ دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَيَعْتَرِفَ لَهُ بِهَا وَيُصَالِحَهُ مِنْهَا عَلَى نِصْفِهَا فَهَذَا يَكُونُ هِبَةً . فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ لَهُ بِالدَّارِ: قَدْ وَهَبْتُ لَكَ نِصْفَهَا صَحَّ وَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ مِنَ الْقَبُولِ وَمُرُورِ زَمَانِ الْقَبْضِ ، وَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِهِ فِي الْقَبْضِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ، بَلْ قَالَ: صَالَحْتُكَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ عَلَى نِصْفِهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ نَصُّ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِ الدَّارِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى بَعْضِهَا ، كَمَا لَا يَجُوزُ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى سُكْنَاهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَّهُ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ عَلَى بَعْضِهِ جَازَ أَنْ يُصَالِحَهُ عَنِ الْأَعْيَانِ عَلَى بَعْضِهَا ، وَمِنْ هَذَيْنِ يُخَرَّجُ الْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ فِي الصُّلْحِ هَلْ هُوَ فَرْعٌ لِغَيْرِهِ أَوْ أَصْلٌ بِذَاتِهِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَإِنْ صَالَحَ رَجُلٌ أَخَاهُ مِنْ مُوَرِّثِهِ فَإِنْ عَرَفَا مَا صَالَحَهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ جَازَ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ . وَمَقْصُودُ الشَّافِعِيِّ بِهَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: فَمَا جَازَ فِي الْبَيْعِ جَازَ فِي الصُّلْحِ ، وَمَا بَطَلَ فِيهِ بَطَلَ فِي الصُّلْحِ ، فَإِذَا وَرِثَ أَخَوَانِ تَرِكَةً صَالَحَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ عَلَى مَالٍ مِنْ حَقِّهِ لِتَصِيرَ لَهُ التَّرِكَةُ كُلُّهَا بِإِرْثِهِ وَصُلْحِهِ فَهَذَا فِي حُكْمِ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا مِنْ أَخِيهِ نَصِيبَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ ، فَيَصِحُّ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ يُعْتَبَرُ بِهَا صِحَّةُ الْبَيْعِ: أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ التَّرِكَةِ بِالْمُشَاهَدَةِ لَهَا وَالْإِحَاطَةِ بِهَا .