اللَّهِ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَّةِ الْإِنْسَانِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ فَغَسَّلْتُهُ وَأَنَا حَائِضٌ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) فَلَا بَأْسَ أَنْ يُدْخِلَ الْمُعْتَكِفُ رَأْسَهُ فِي الْبَيْتِ لِيَغْسَلَ وَيُرَجِّلَ"."
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الِاعْتِكَافُ مكان الإعتكاف فَلَا يَصِحُّ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ سَابِلٍ مِنْ جَامِعٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَحُكِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ ، وَحُكِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَحَمَّادٍ وَالْحَكَمِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [ الْبَقَرَةِ: ، فَعَمَّ بِالذِّكْرِ جَمِيعَ الْمَسَاجِدِ وَلَا يَخْلُو ذِكْرُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ . إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي الْمَنْعِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ . أَوْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِلْمَنْعِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَكِفَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ أَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ وَلِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يُبْنَى لِجَمَاعَاتِ الصَّلَاةِ ، فَالِاعْتِكَافُ فِيهِ جَائِزٌ كَالْجَوَامِعِ .
فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ ، فِي أَنَّ اعْتِكَافَهُمَا لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا وَيُكْرَهُ ذَلِكَ لَهَا فِي الْمَسْجِدِ تَعَلُّقًا ، بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: صَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ"فَلَمَّا كُرِهَ لَهَا أَنْ تَصَلِّيَ الْفَرْضَ فِي الْمَسْجِدِ كَانَ الِاعْتِكَافُ بِذَلِكَ أَوْلَى ، قَالَ: وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ سُنَّ لِصَلَاتِهَا فَوَجَبَ أَنْ يُسَنَّ لِاعْتِكَافِهَا كَالرَّجُلِ لَمَّا كَانَ الْمَسْجِدُ مَوْضِعًا سُنَّ فِيهِ أَدَاءُ صِلَاتِهِ ، كَانَ مَوْضِعَ اعْتِكَافِهِ ، وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهَا عِبَادَةٌ ، لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ إِيقَاعُهَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْمَرْأَةِ إِيقَاعُهَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ كَالطَّوَافِ ، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الِاعْتِكَافُ فِيهِ فَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ كَالطَّرِيقِ ، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ ، وَجَمْعِهِمْ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ ، فَالْمَعْنَى فِي الصَّلَاةِ أَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إِلَى مَكَانٍ مَخْصُوصٍ ، وَيَجُوزُ فِعْلُهَا فِي طَرِيقٍ وَغَيْرِهِ ، وَالِاعْتِكَافُ لَيْسَ كَذَلِكَ"
فَصْلٌ: فَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَفِيهِ دَلَائِلُ مِنْهَا . الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِكَافِ حكمه .