وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْمِلَّةُ ، فَدَلَّ عَلَى إِلْحَاقِهِ بِمِلَّةِ الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ . وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ ) [ يس: ] . فَدَلَّ عَلَى إِضَافَةِ الْأَوْلَادِ إِلَى الْآبَاءِ ، دُونَ الْأُمَّهَاتِ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [ الطُّورِ: ] . وَهُمْ ذُرِّيَّةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُتْبَعُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَهُمْ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ"فَدَلَّ عَلَى إِسْلَامِهِمْ ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ حَقٌّ ، وَالْكُفْرَ بَاطِلٌ ، وَاتِّبَاعُ الْحَقِّ أَوْلَى مِنِ اتِّبَاعِ الْبَاطِلِ ، وَلِأَنَّ تَعَارُضَ الْبَيِّنَتَيْنِ يُوجِبُ تَغْلِيبَ أَقْوَاهُمَا وَأَعْلَاهُمَا ، وَالْإِسْلَامُ أَقْوَى ، وَأَعْلَى مِنَ الْكُفْرِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَغْلِبَ الْإِسْلَامُ عَلَى حُكْمِ الْكُفْرِ ، لِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ) [ التَّوْبَةِ: ] . وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى". وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّ ابْنِ أَمَةٍ أَسْلَمَ فِدْيَتُهُ دِيَةُ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مُسْلِمًا لَوْ تَزَوَّجَ كَافِرَةً فما حكم الولد كَانَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا ، كَذَلِكَ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا وَفِيهِ انْفِصَالٌ عَنْ دَلِيلِهِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [ الزُّخْرُفِ: ] . فَإِنَّهُ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ لَهُمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ فِي عُدُولِهِمْ عَنْهُ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ ) ، [ يس: ] . فَهُوَ أَنَّ الْإِنْذَارَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ ، وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ التَّذْكِيرِ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ الْجَدُّ ، أَوِ الْجَدَّةُ فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَكُونُ إِسْلَامًا لَهُمْ مَعَ بَقَاءِ الْأَبَوَيْنِ ، وَعَدَمِهِمَا ، لِأَنَّهُمَا مَحْجُوبَانِ ، بِمَنْ دُونَهُمَا لِلْبَعْضِيَّةِ ، الَّتِي بَيْنَهُمَا كَالْأَبَوَيْنِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ إِسْلَامًا لَهُمْ مَعَ بَقَاءِ الْأَبَوَيْنِ وَعَدَمِهِمَا لِأَنَّهُمَا مَحْجُوبَانِ بِمَنْ دُونَهُمَا . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ إِسْلَامًا لَهُمْ مَعَ عَدَمِ الْأَبَوَيْنِ ، وَلَا يَكُونُ إِسْلَامًا لَهُمْ مَعَ وُجُودِ الْأَبَوَيْنِ ، لِأَنَّهُمْ بِحُكْمِ الْأَقْرَبِ أَخَصُّ مِنْهُمْ بِحُكْمِ الْأَبْعَدِ ، إِذَا كَانَ بَاقِيًا ، وَالْمَوْجُودِ دُونَ الْمَفْقُودِ إِذَا كَانَ مَيِّتًا .