وَبَيْنَ أَنْ يَهْدِيَ عُشْرَ شَاةٍ ، وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الْعُشْرِ طَعَامًا ، وَبَيْنَ أَنْ يُكَفِّرَ عَدْلَ الطَّعَامِ صِيَامًا .
فَصْلٌ: فَأَمَّا إِذَا غَابَ الصَّيْدُ الْمَجْرُوحُ فَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ مَاتَ مِنَ الْجُرْحِ أَوْ عَاشَ صيد الحرم ؟ فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِشَاةٍ كَامِلَةٍ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَاتَ ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ فَيُقَوَّمُ صَحِيحًا حِينَ جَرَحَهُ ، وَمَجْرُوحًا حِينَ غَابَ عَنْهُ ، ثُمَّ يَكُونُ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ عَلَى مَا مَضَى . وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا غَابَ مَجْرُوحًا فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ كَامِلَةٌ: لِأَنَّ جُرْحَهُ مُتَحَقِّقٌ ، وَوَجُودُهُ وَمَوْتُهُ مِنْ غَيْرِهِ ، مَشْكُوكٌ فِيهِ . وَهَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ بِالشَّكِّ لَا تَجِبُ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيًّا فَلَا تَجِبُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا مِنْ غَيْرِ الْجُرْحِ فَلَا تَجِبُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا مِنَ الْجُرْحِ فَتَجِبُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْكَمَ بِوُجُوبِهَا بِالشَّكِّ وَلَا يُحْكَمَ بِإِسْقَاطِهَا بِالْيَقِينِ: وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْآدَمِيِّ أَوْكَدُ مِنْ حُرْمَةِ الصَّيْدِ ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ جَرَحَ آدَمِيًّا فَغَابَ عَنْهُ لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةُ نَفْسِهِ ، وَلَا كَمَالُ دِيَتِهِ ، فَالصَّيْدُ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ حُرْمَةً أَوْلَى أَلَّا يَلْزَمَهُ بِجَرْحِهِ وَغَيْبَتِهِ كَمَالُ فِدْيَتِهِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَإِنْ قَتَلَ الصَّيْدَ فَإِنْ شَاءَ جَزَاهُ بِمِثْلِهِ وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَ الْمِثْلَ دَرَاهِمَ ثُمَّ الدَّرَاهِمَ طَعَامًا ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ جَزَاءُ الصَّيْدِ عَلَى التَّخْيِيرِ صيد الحرم عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ ، فَلَا يَجُوزُ الطَّعَامُ إِلَّا بَعْدَ عَدَمِ الْهَدْيِ ، وَلَا الصِّيَامُ إِلَّا بَعْدَ عَدَمِ الطَّعَامِ ، وَقَدْ حَكَاهُ أَبُو ثَوْرٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ، وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ عَنْهُ ، بَلْ نَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ وَالْإِمْلَاءِ أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَى التَّرْتِيبِ بِأَنْ قَالَ: جَزَاءُ الصَّيْدِ كَفَّارَةُ نَفْسٍ مَحْظُورَةٍ ، وَكَفَّارَاتُ النُّفُوسِ مُرَتَّبَةٌ لَا تَخْيِيرَ فِيهَا كَالْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ الْآدَمِيِّ . وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ، إِلَى قَوْلِهِ: أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ، وَمَوْضِعُ لَفْظَةِ"أَوْ"فِي اللُّغَةِ أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الْأَوَامِرِ لِلتَّخْيِيرِ ، كَقَوْلِهِ: اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا ، وَفِي الْأَخْبَارِ لِلشَّكِّ كَقَوْلِهِ: رَأَيْتُ زَيْدًا أَوْ عُمْرًا ، فَلَمَّا كَانَ الْخِطَابُ أَمْرًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ مُخَيَّرًا ، وَلِأَنَّهُ إِتْلَافُ مَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ بِحُرْمَةِ الْحَرَامِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَدَلُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ كَالْحَلْقِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى ، فَأَمَّا اعْتِبَارُهُمْ بِكَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، فَاخْتِلَافُ الْأَمْرِ بِهِمَا يَمْنَعُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ جَزَاءَ الصَّدِ عَلَى التَّخْيِيرِ فَقَاتِلُ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ وَبَيْنَ الْإِطْعَامِ وَبَيْنَ الصَّيَامِ صيد الحرم ، فَإِنِ اخْتَارَ الْمِثْلَ مِنَ النَّعَمِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَلَيْهِ مِثْلَهُ فِي الشَّبَهِ وَالصُّورَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ وَقَدْ مَضَى حُكْمُهُ ، وَخِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ: وَإِنِ اخْتَارَ الْإِطْعَامَ فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ الْمِثْلَ دَرَاهِمَ ، يَشْتَرِي بِالدَّرَاهِمِ طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ دُونَ الْمِثْلِ