حَرَجَ ، وَأَتَاهُ آخَرُ وَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ رَمَيْتُ ، فَقَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ إِلَّا قَالَ:"افْعَلْ وَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ"وَلِأَنَّهُ ذَبْحٌ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ الْحَلْقُ ، فَجَازَ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ الْحَلْقُ قِيَاسًا عَلَى دَمِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [ الْبَقَرَةِ: ] ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحَلِّ الْحَرَمُ دُونَ الْإِحْرَامِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ الْحَجِّ: ] ، فَأَمَّا إِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْيِ: فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ يُتَحَلَّلُ بِهِ أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ . وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ إِبَاحَةٌ بَعْدَ حَظْرٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ: لِحَلْقِهِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ . الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْبَصْرِيِّينَ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ: لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَخَّرْتُ الرَّمْيَ حَتَّى جَنَّ اللَّيْلُ ، فَقَالَ: ارْمِ لَا حَرَجَ ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ جَوَازَ تَقْدِيمِ الْحَلْقِ عَلَى الرَّمْيِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَيَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ هَدْيِهِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْهَدْيُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ وَجَبَ بِالْإِحْرَامِ . وَضَرْبٌ وَجَبَ بِالنَّذْرِ . وَضَرْبٌ تَطَوَّعَ بِهِ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ وَاجِبًا بِالْإِحْرَامِ أي الهدي وهل له أن يأكل منه ؟ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِحَالٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ جَمِيعِهِ إِلَّا مِنْ دَمِ الْقِرَانِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ . وَقَالَ مَالِكٌ: يَأْكُلُ مِنْ جَمِيعِهِ إِلَّا مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِمَا يَأْتِي ، وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [ الْحَجِّ: ] ، وَقَالَ: الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [ الْحَجِّ: ] ، وَأَمَّا النَّذْرُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ: لِأَنَّهُ دَمٌ وَاجِبٌ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ بِالْإِحْرَامِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَكَانَ إِلْحَاقُهُ بِالتَّطَوُّعِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالْجُبْرَانِ وَالنَّذْرِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ أَكْلِهِ مِنَ التَّطَوُّعِ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ الْفُقَرَاءَ مِنْهُ ، فَيَكُونُ أَكْلُهُ مُبَاحًا ، وَإِطْعَامُ الْفُقَرَاءِ والأكل من الهدي وحكمه وَاجِبًا ، فَإِنْ أَطْعَمَ جَمِيعَهُ الْفُقَرَاءَ جَازَ ، وَإِنْ أَكَلَ جَمِيعَهُ لَمْ يَجُزْ . وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: إِطْعَامُ الْفُقَرَاءِ مُبَاحٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، فَإِنْ أَكَلَ جَمِيعَهُ ، جَازَ كَمَا لَوْ أَطْعَمَ جَمِيعَهُ ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ ، الْوَكِيلُ أَكْلُهُ مِنْهُ وَاجِبٌ ، فَإِنْ طَعِمَ جَمِيعَهُ لَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ أَكَلَ