فُلَا تَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ . وَأَمَّا الْمَحْظُورُ فَنَوْعَانِ: كَذِبٌ وَفُحْشٌ . وَهُمَا جَرْحٌ فِي قَائِلِهِ ، فَأَمَّا فِي مُنْشِدِهِ ، فَإِنْ حَكَاهُ إِنْكَارًا لَمْ يَكُنْ جَرْحًا ، وَإِنْ حَكَاهُ اخْتِيَارًا كَانَ جَرْحًا . فَإِنْ تَشَبَّبَ فِي شِعْرِهِ وَوَصَفَ امْرَأَةً ، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا لَمْ يَقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ ، وَإِنْ عَيَّنَهَا قَدْحَ فِي عَدَالَتِهِ . فَأَمَّا الْمُكْتَسِبُ بِالشِّعْرِ شهادته ، فَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي إِذَا مَدَحَ وَيَذُمُّ إِذَا مُنِعَ ، فَهُوَ قَدْحٌ فِي عَدَالَتِهِ ، فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ . وَإِنْ كَانَ لَا يَقْتَضِي إِذَا مَدَحَ ، وَلَا يَذُمُّ إِذَا مُنِعَ ، وَتَقَبَّلَ مَا وَصَلَهُ إِلَيْهِ عَفْوًا ، فَهُوَ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ .
[ الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا ] . مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَيَجُوزُ شَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَا فِي الزِّنَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، لِأَنَّ الْأَنْسَابَ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ الْعَدَالَةِ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَا إِذَا كَانَ عَدْلًا فِي الزِّنَى وَغَيْرِ الزِّنَى . وَقَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ فِي الزِّنَى وَأَقْبَلُهَا فِي غَيْرِ الزِّنَى ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ: لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ بِحَالٍ . اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"وَلَدُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ". وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زَنْيَةٍ". وَإِذَا كَانَ شَرًّا مِنَ الزَّانِي وَمَدْفُوعًا مِنَ الْجَنَّةِ ، كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ . وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ وَهُوَ تَعَالَى يَقُولُ: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [ الْأَنْعَامِ: ] . فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤَاخَذَ وَلَدُ الزَّانِي بِذَنْبِ أَبَوَيْهِ ، لِأَنَّهُ ظُلْمٌ ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الظُّلْمِ ، وَهُوَ تَعَالَى يَقُولُ: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [ الْكَهْفِ: ] . وَلِأَنَّ عَارَ النَّسَبِ رُبَّمَا مَنَعَهُ مِنِ ارْتِكَابِ الْعَارِ ، لِئَلَّا يَصِيرَ جَامِعًا بَيْنَ عَارَيْنِ ، فَصَارَ مَزْجُورًا بِمَعَرَّةِ نَسَبِهِ عَنْ مَعَرَّةِ كَذِبِهِ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ مَعَ ظُهُورِ عَدَالَتِهِ .