فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَعَلَ الْأَوَّلَ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ ، وَقِيَاسُ الْمَعْنَى يَجُوزُ خِلَافُهُ إِذَا كَانَ خَفِيًّا ، وَلَا يَجُوزُ خِلَافُهُ إِذَا كَانَ جَلِيًّا ، فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ الْجَلِيَّ دُونَ الْخَفِيِّ . وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَهُمَا مَعًا فَالْجَلِيُّ لَا يَجُوزُ خِلَافُ حُكْمِهِ وَالْخَفِيُّ لَا يَجُوزُ تَرْكُ قِيَاسِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي تَأْوِيلِ كَلَامِهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْقِيَاسِ الْأَوَّلِ مَا لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ مِنْ قِيَاسَيِ الْمَعْنَى وَقِيَاسِ التَّحْقِيقِ مِنْ قِيَاسِ الشَّبَهِ ، لِأَنَّ خِلَافَهُمَا لَا يَجُوزُ ، وَأَرَادَ بِالْقِيَاسِ الثَّانِي: مَا يَجُوزُ فِيهِ الِاخْتِلَافُ ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ مِنْ قِيَاسِ الْمَعْنَى وَقِيَاسُ التَّقْرِيبِ مِنْ قِيَاسِ الشَّيْءِ ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَحْمُولًا عَلَى مَعْنَى لَفْظِهِ وَتَأْوِيلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مَحْمُولًا عَلَى مَعْنَى حُكْمِهِ .
[ حُكْمُ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَتَخْطِئَتُهُ لِلْمُجْتَهِدِينَ ] . مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [ الْأَنْبِيَاءِ: ] . قَالَ الْحَسَنُ: لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْحُكَّامَ قَدْ هَلَكُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمِدَ هَذَا لِصَوَابِهِ وَأَثْنَى عَلَى هَذَا بِاجْتِهَادِهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ مَا أَغْنَى ، وَمُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ بَيَانِ مَذْهَبِهِ فِي الِاجْتِهَادِ فِي ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ أَنْ يَتَوَصَّلَ إِلَى طَلَبِ الْعَيْنِ ، وَإِصَابَةِ الْحُكْمِ فِي الْحَادِثَةِ . وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادَ لِيَعْمَلَ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَقَّ فِي أَحَدِ أَقَاوِيلِ الْمُجْتَهِدِينَ ، لَا فِي جَمِيعِهَا وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَجَعَلَ الْحَقَّ فِي جَمِيعِهَا . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُصِيبَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ وَاحِدٌ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ ، وَأَنَّ كُلَّهُمْ مُخْطِئٌ عِنْدَ اللَّهِ ، وَفِي الْحُكْمِ ، إِلَّا ذَلِكَ الْوَاحِدَ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُصِيبًا عِنْدَ اللَّهِ ، وَفِي الْحُكْمِ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَجَعَلَ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا عِنْدَ اللَّهِ وَفِي الْحُكْمِ . [ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الشَّافِعِيِّ بِأَنَّ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ قَوْلَيْنِ ] . فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي الِاجْتِهَادِ اعْتَرَضَ بِهَا عَلَيْهِ مَنْ خَالَفَهُ فِي إِنْكَارِ الْقَوْلَيْنِ ، فَقَالُوا: كَيْفَ اسْتَجَازَ أَنْ يَحْكُمَ فِي حَادِثَةٍ بِقَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ وَأَكْثَرَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ عَلَيْهِ طَلَبَ الْعَيْنِ وَأَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ وَأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُخْطِئٌ إِلَّا وَاحِدًا . فَكَانَ حُكْمُهُ بِالْقَوْلَيْنِ خَطَأً مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:"