فهرس الكتاب

الصفحة 4039 من 8432

وَكَانَ أَبُوهَا وَإِخْوَتُهَا كُفَّارًا ، وَهِيَ مُسْلِمَةٌ مُهَاجِرَةٌ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ، تَزَوَّجَهَا مِنْ أَقْرَبِ عَصَبَاتِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، فَدَلَّ عَلَى انْتِقَالِ الْوِلَايَةِ بِالْكُفْرِ عَمَّنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى مَنْ سَاوَاهَا فِي الْإِسْلَامِ ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ ، فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَطَعَ الْمُوَالَاةَ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، فَلَمْ تَثْبُتِ الْوِلَايَةُ مَعَهُ كَمَا لَمْ يَثْبُتِ الْمِيرَاثُ ، وَإِنَّمَا الْوِلَايَةُ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِطَلَبِ الْحَظِّ لَهَا وَدَفْعِ الْعَارِ عَنْهَا ، وَاخْتِلَافُ الدِّينِ يَصُدُّ عَنْ هَذَا أَوْ يَمْنَعُ مِنْهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً [ التَّوْبَةِ: 10 ] .

لَا يَثْبُتُ لِلْكَافِرِ وِلَايَةٌ عَلَى مُسْلِمَةٍ لَا نَسَبًا وَلَا حُكْمًا وَلَا مِلْكًا

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَلَا يَثْبُتُ لِلْكَافِرِ وِلَايَةٌ عَلَى مُسْلِمَةٍ ، لَا نَسَبًا ، وَلَا حُكْمًا ، وَلَا مِلْكًا ، وَلَا يُزَوِّجُهَا مِنْ عَصَبَاتِهَا إِلَّا مُسْلِمٌ قَدْ جَمَعَ شَرْطَيْنِ: النَّسَبَ ، وَالدِّينَ ، فَأَمَّا الْكَافِرَةُ فَالْوِلَايَةُ عَلَيْهَا تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: وِلَايَةٌ بِنَسَبٍ ، وَوِلَايَةٌ بِحُكْمٍ ، وَوِلَايَةٌ بِمِلْكٍ . فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْوِلَايَةُ بِالنَّسَبِ ، فَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهَا إِلَّا لِمَنْ إِذَا شَارَكَهَا فِي النِّسَبِ ، سَاوَاهَا فِي الدِّينِ ، وَيُرَاعَى أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا فِي دِينِهِ ، كَمَا يُرَاعَى رُشْدُ الْوَلِيِّ الْمُسْلِمِ ، فَلَوْ كَانَتِ الْكَافِرَةُ نَصْرَانِيَّةً ، وَكَانَ لَهَا أَخٌ نَصْرَانِيٌّ وَأَخٌ مُسْلِمٌ وَأَخٌ يَهُودِيٌّ وَأَخٌ مَجُوسِيٌّ ، وَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهَا لِلْمُسْلِمِ ، وَيَكُونُ النَّصْرَانِيُّ وَالْيَهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ فِي الْوِلَايَةِ عَلَيْهَا سَوَاءً ، كَمَا يُشَارِكُونَ فِي مِيرَاثِهَا ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا النَّصْرَانِيُّ مِنْهُمْ: لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ، فَلَوْ كَانَ فِي إِخْوَتِهَا مُرْتَدٌّ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهَا ، كَمَا لَا مِيرَاثَ لَهُ مِنْهَا ، وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُوْلًى عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وَلِيًّا ، فَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُرْتَدَّةً ، وَكَانَ لَهَا أَخٌ مُسْلِمٌ وَأَخٌ مُرْتَدٌّ وَأَخٌ نَصْرَانِيٌّ ، فَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا لَا يَرِثُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِمُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ وَلَا مُرْتَدٍّ: لِأَنَّ الرِّدَّةَ مَانِعَةٌ مِنَ اسْتِبَاحَةِ نِكَاحِهَا . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الْوِلَايَةُ بِالْحُكْمِ فَيَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرَةِ: لِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ بِالْمُوَالَاةِ بِالنَّسَبِ ، فَيَمْتَنِعُ اخْتِلَافُ الدِّينِ مِنْهَا: وَإِنَّمَا تَسْتَحِقُّ بِالْوِلَايَةِ الَّتِي تَثْبُتُ عَلَى الْكَافِرِ كَثُبُوتِهَا عَلَى الْمُسْلِمِ ، فَإِذَا عَدِمَتِ الْكَافِرَةُ مِنْهَا شَيْئًا مِنْ عَصَبَتِهَا الْكَفَّارِ ، زَوَّجَهَا حَاكِمُ الْمُسْلِمِينَ بِكُفْءٍ مِنَ الْكُفَّارِ أَوِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ دَعَتْ إِلَى زَوْجٍ مُسْلِمٍ وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ تَزْوِيجُهَا بِهِ: لِأَنَّهُ إِذَا تَقَاضَى إِلَى حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ لَزِمَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ دَعَتْ إِلَى زَوْجٍ كَافِرٍ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ كَانَ حَاكِمُ الْمُسْلِمِينَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِهِ أَوِ الْإِعْرَاضِ عَنْهَا ، كَمَا يَكُونُ بِالْخِيَارِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا إِذَا تَقَاضَيَا إِلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَهَلْ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ تَزْوِيجُهَا أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ، مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي وُجُوبِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا عِنْدَ التَّرَافُعِ إِلَيْهِ ، فَإِنْ زَوَّجَهَا لَمْ يَعْقِدْ نِكَاحَهَا إِلَّا شَاهِدَانِ مُسْلِمَانِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَهُ بِهِ أَهْلُ دِينِهَا: لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْعَدَالَةَ شَرْطٌ فِي الشَّهَادَةِ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الْوِلَايَةُ بِالْمِلْكِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ثُبُوتِهَا لِلسَّيِّدِ الْمُسْلِمِ عَلَى أَمَتِهِ الْكَافِرَةِ ، عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ أَبَى إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ -: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت