فهرس الكتاب

الصفحة 509 من 8432

أَحَدُهُمَا: الضَّرِيرُ بِمَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَمْصَارِ ، حال المتنفل فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ كَانَ الْخَبَرُ عَنْ مُشَاهَدَةٍ . وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ كَانَ عَنْ تَفْوِيضٍ وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: الْبَصِيرُ بِمَكَّةَ أَوْ فِيمَا قَرُبَ مِنْ مِيقَاتِهَا إِذَا كَانَ مَمْنُوعًا بِحَائِلٍ غَيْرِ مُسْتَحْدَثٍ مِنْ جَبَلٍ أَوْ أَكَمَةٍ فَإِنَّهُ يَسْتَخْبِرُ مَنْ عَلَى الْجَبَلِ الْحَائِلِ مِنَ الْمُشَاهِدِينَ وَأَمَّا الضَّرْبُ الرَّابِعُ: وَهُوَ مَنْ فَرْضُهُ التَّفْوِيضُ فَهُوَ الرَّاحِلُ إِلَى بَلَدٍ كَبِيرٍ كَثِيرِ الْأَهْلِ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى قِبْلَتِهِمْ فِيهِ ، كَالْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ ، فَيَسْتَقْبِلُ قِبْلَتَهُمْ تَفْوِيضًا لِاتِّفَاقِهِمْ ، لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى قَدِيمِ الزَّمَانِ ، وَتَعَاقُبِ الْأَعْصَارِ ، وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ أَنْ يَكُونُوا عَلَى خَطَأٍ يَسْتَدْرِكُهُ الْوَاحِدُ بِاجْتِهَادِهِ وَأَمَّا الضَّرْبُ الْخَامِسُ: وَهُوَ مَنْ فَرْضُهُ الِاجْتِهَادُ فَهُوَ الْبَصِيرُ إِذَا كَانَ سَائِرًا فِي بَرٍّ ، أَوْ بَحْرٍ ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ قَلِيلَةِ الْأَهْلِ فَعَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي الْقِبْلَةِ بِالدَّلَائِلِ الْمَنْصُوبَةِ عَلَيْهَا ، وَهَلْ عَلَيْهِ فِي اجْتِهَادِهِ طَلَبُ الْعَيْنِ أَوِ الْجِهَةِ ؟ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّ عَلَيْهِ فِي اجْتِهَادِهِ طَلَبَ الْجِهَةِ دُونَ الْعَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، لِأَنَّ الْعَيْنَ مَعَ الْبُعْدِ عَنْهَا يَتَعَذَّرُ إِصَابَتُهَا ، وَلِأَنَّ الصَّفَّ الْوَاحِدَ لَوِ امْتَدَّ حَتَّى خَرَجَ عَنْ طُولِ الْكَعْبَةِ جَازَتْ صَلَاةُ جَمِيعِهِمْ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُمْ أَنْ يَعْدِلُوا عَنِ اسْتِوَاءِ الصَّفِّ مُنْحَرِفِينَ طَلَبًا لِمُوَافَقَةِ الْعَيْنِ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ عَادِلٌ عَنِ الْعَيْنِ إِلَى الْجِهَةِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي"الْأُمِّ"أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي اجْتِهَادِهِ طَلَبُ الْعَيْنِ: فَإِنْ أَخْطَأَهَا إِلَى الْجِهَةِ أَجْزَأَ: لِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ الدَّانِيَ مِنَ الْكَعْبَةِ مُصَادَفَةُ عَيْنِهَا لَزِمَ النَّائِيَ عَنْهَا فِي اجْتِهَادِهِ طَلَبُ عَيْنَهَا ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَوَصَّلُ بِالِاجْتِهَادِ إِلَى مَا كَانَ يَلْزَمُهُ بِالْيَقِينِ وَأَمَّا الضَّرْبُ السَّادِسُ: وَهُوَ مَنْ فَرْضُهُ التَّقْلِيدُ وَهُوَ الضَّرِيرُ فِي السَّفَرِ يُقَلِّدُ الْبَصِيرَ لِيَجْتَهِدَ لَهُ فِي الْقِبْلَةِ: حكم لِأَنَّهُ بِذَهَابِ بَصَرِهِ قَدْ فَقَدَ آلَةَ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ ، فَصَارَ كَالْعَامِّيِّ يُقَلِّدُ الْعَالِمَ فِي الْأَحْكَامِ: لِفَقْدِهِ مَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى عِلْمِهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّقْلِيدِ وَالْخَبَرِ: أَنَّ التَّقْلِيدَ يَكُونُ عَنْ إِخْبَارٍ ، وَالْخَبَرَ يَكُونُ عَنْ يَقِينٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّقْلِيدِ وَالتَّفْوِيضِ: أَنَّ التَّقْلِيدَ يَحْتَاجُ إِلَى سُؤَالٍ وَجَوَابٍ ، وَالتَّفْوِيضَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى سُؤَالٍ وَلَا جَوَابٍ

فَصْلٌ دَلَائِلُ الْقِبْلَةِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا الْمُجْتَهِدُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ

فَصْلٌ: فَأَمَّا دَلَائِلُ الْقِبْلَةِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا الْمُجْتَهِدُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَهِيَ الشَّمْسُ فِي مَطْلَعِهَا ، وَمَغْرِبِهَا ، من دلائل تحديد القبلة وَالْقَمَرُ فِي سَيْرِهِ وَمَنَازِلِهِ ، من دلائل تحديد القبلة وَالنُّجُومُ فِي طُلُوعِهَا ، وَأُفُولِهَا ، من دلائل تحديد القبلة وَالرِّيَاحُ الْأَرْبَعُ فِي هُبُوبِهَا من دلائل تحديد القبلة ، وَالْجِبَالُ فِي مَرَاسِيهَا ، وَالْبِحَارُ فِي مَجَارِيهَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّلَائِلِ الَّتِي يَخْتَصُّ كُلُّ فَرِيقٍ بِنَوْعٍ مِنْهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [ النَّحْلِ: ] ، وَقَالَ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت