وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِحُكْمِ أُمِّهِ دُونَ أَبِيهِ وَذَلِكَ فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَلَدُ الْمَنْكُوحَةِ تَابِعٌ لِأُمِّهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ دُونَ أَبِيهِ ، فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةً كَانَ حُرًّا وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ عَبْدًا ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ مَمْلُوكَةً كَانَ عَبْدًا وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ حُرًّا . وَالثَّانِي: فِي الْمِلْكِ ، فَإِنَّ وَلَدَ الْمَمْلُوكَيْنِ تَبَعٌ لِأُمِّهِ وَمَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهِمَا . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِأَفْضَلِ أَبَوَيْهِ حَالًا وَأَغْلَظِهِمَا حُكْمًا ، وَذَلِكَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ فِي الْإِسْلَامِ يَلْحَقُ بِالْمُسْلِمِ مِنْهُمَا أَبًا كَانَ أَوْ أُمًّا . وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ ، وَهُوَ فِي إِبَاحَتِهِ الذَّبِيحَةَ وَالنِّكَاحَ ، فَأَحَدُ قَوْلَيْهِ أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْأَبِ . وَالثَّانِي: مُلْحَقٌ بِأَغْلَظِهِمَا حُكْمًا .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَوْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا أهل الذمة ، وَجَبَ أَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، كَانَ الزَّوْجُ الْجَائِي أَوِ الزَّوْجَةُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمُقِيمُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْكُفَّارِ فَضَرْبَانِ: أَهْلُ الذِّمَّةِ ، وَأَهْلُ الْعَهْدِ . فَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ تعريفهم: فَهُمْ بَاذِلُو الْحُرِّيَّةِ لَهُمْ ذِمَّةٌ مُؤَبَّدَةٌ يَلْزَمُنَا فِي حَقِّ الذِّمَّةِ أَنْ نَمْنَعَ عَنْهُمْ مَنْ أَرَادَهُمْ مِمَّنْ جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمِمَّنْ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ أَحْكَامُنَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ . وَأَمَّا أَهْلُ الْعَهْدِ تعريفهم: فَهُمُ الْمُسْتَأْمَنُونَ الَّذِينَ لَهُمْ أَمَانٌ إِلَى مُدَّةٍ يَلْزَمُنَا أَنْ نَمْنَعَ مَنْ أَرَادَهُمْ مِمَّنْ جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَا يَلْزَمُنَا أَنْ نَمْنَعَ مَنْ أَرَادَهُمْ مَنْ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ أَحْكَامُنَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَقَدْ عَبَّرَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوَاضِعَ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْمُعَاهَدِينَ: لِأَنَّ ذِمَّتَهُمْ عَهْدٌ ، وَإِنْ كَانُوا بِاسْمِ الذِّمَّةِ أَخَصَّ . فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَتَرَافَعِ الْفَرِيقَانِ فِي أَحْكَامِهِمْ إِلَيْنَا لَمْ نَدْعُهُمْ إِلَيْهَا ، وَلَمْ نَعْتَرِضْ عَلَيْهِمْ فِيهَا ، وَإِنْ تَرَافَعُوا إِلَيْنَا نُظِرَ فِيهِمْ: فَإِنْ كَانُوا مُعَاهَدِينَ لَهُمْ أَمَانٌ إِلَى مُدَّةٍ لَمْ يَلْزَمْنَا أَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُمُ الْتِزَامُ حُكْمِنَا ، وَكَانَ حَاكِمُنَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَحْكُمَ ، وَهُمْ إِذَا حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَلْتَزِمُوا حُكْمَهُ ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَلْتَزِمُوهُ ، وَإِنْ جَاءَ أَحَدُهُمْ مُسْتَعْدِيًا لَمْ يَلْزَمِ الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْضُرَ ، وَلَا يَلْزَمُ الْحَاكِمُ أَنْ يُعْدِيَهُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [ الْمَائِدَةِ: 42 ] الْآيَةَ ، فَخَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ ، وَلِأَنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَ عَنْهُمْ أَنْفُسَنَا ، وَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَ عَنْهُمْ غَيْرَنَا ، سَوَاءٌ كَانَ التَّحَاكُمُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّينَ: لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي شِرْكِهِمْ أَعَظُمُ ، وَقَدْ أَقَرُّوا عَلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ أَوْ غَيْرَ أَهْلِ كِتَابٍ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا ، فَلَيْسَتِ الذِّمَّةُ الْمُؤَبَّدَةُ إِلَّا لِأَهْلِ الْكِتَابِ ، فَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعُوا إِلَيْنَا فِي أَحْكَامِهِمْ تُرِكُوا ، وَإِنْ تَرَافَعُوا فِيهَا إِلَيْنَا ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: