وَلَا يُؤَخِّرُ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ أَوْ وَقْتِ الْإِيجَابِ ، إِلَّا لِعُذْرٍ فِي الزَّمَانِ مِنْ شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ ، أَوْ لِعُذْرٍ فِي بَدَنِهِ مِنْ شِدَّةِ مَرَضٍ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ خُتِنَ ، فَيُؤَخِّرُ إِلَى زَوَالِ الْعُذْرِ . فَلَوْ كَانَ نِضْوَ الْخَلْقِ وَعُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ إِنْ خُتِنَ تَلِفَ ، سَقَطَ فَرْضُ الْخِتَانِ عَنْهُ: لِأَنَّهُ لَا تَعَبُّدَ فِيمَا أَفْضَى إِلَى التَّلَفِ: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [ الْبَقَرَةِ: 286 ] ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى خِتَانَ الْمَوْلُودِ إِلَّا مَنْ كَانَ ذَا وِلَايَةٍ عَلَيْهِ بِأُبُوَّةٍ ، أَوْ وَصِيَّةٍ ، أَوْ حُكْمٍ ، فَإِنْ خَتَنَهُ مَنْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ ، فَأَفْضَى إِلَى تَلَفِهِ ضَمِنَ نَفْسَهُ . وَإِنْ خَتَنَهُ ذُو وِلَايَةٍ عَلَيْهِ كَالْأَبِ أَوِ الْوَصِيِّ أَوِ السُّلْطَانِ فَتَلِفَ نُظِرَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي زَمَانِ عُذْرٍ ، لَمْ يَضْمَنْ نَفْسَهُ: لِأَنَّهُ تَلِفَ مِنْ فِعْلٍ وَاجِبٍ . وَإِنْ كَانَ فِي زَمَانِ عُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ شَدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: ضَمِنَ نَفْسَهُ . وَقَالَ فِي الْمَحْدُودِ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَرَضٍ: إِنَّهُ إِذَا مَاتَ لَمْ يَضْمَنْهُ . اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى طَرِيقَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: الْجَمْعُ بَيْنَ الْجَوَابَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَنُخْرِجُهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُضْمَنُ فِي الْمَحْدُودِ وَالْمَخْتُونِ عَلَى مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَخْتُونِ لِلتَّقْدِيرِ بِالزَّمَانِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا ضَمَانَ فِي الْمَخْتُونِ وَالْمَحْدُودِ عَلَى مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَحْدُودِ . وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْجَوَابَ عَلَى ظَاهِرِ نَصِّهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، فَيُضْمَنُ الْمَخْتُونُ وَلَا يُضْمَنُ الْمَحْدُودُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخِتَانَ أَخْوَفُ: لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ عُضْوٍ وَإِرَاقَةِ دَمٍ . وَالثَّانِي: أَنَّ وَقْتَ الْخِتَانِ مُتَّسِعٌ ، وَوَقْتَ الْحَدِّ يَضِيقُ . فَإِذَا وَجَبَ الضَّمَانُ ، فَفِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَضْمَنُ جَمِيعَ الدِّيَةِ: لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ مِنْهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: يَضْمَنُ نِصْفَ الدِّيَةِ: لِحُدُوثِ التَّلَفِ عَنْ وَاجِبٍ وَمَحْظُورٍ ، فَإِنْ ضَمِنَ ذَلِكَ غَيْرُ السُّلْطَانِ كَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، وَإِنْ ضَمِنَ السُّلْطَانُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى عَاقِلَتِهِ . وَالثَّانِي: فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ سَوَاءٌ ضَمِنَ جَمِيعَ الدِّيَةِ أَوْ نِصْفَهَا: لِأَنَّهُ ضَمِنَ تَلَفَ نَفْسٍ وَإِنْ تَبَعَّضَتْ فِيهِ الدِّيَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .