وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِهِ لَقَدَرَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ ، فَيَرُدُّهَا إِلَى الشَّبَابِ بَعْدَ الْهِرَمِ ، وَإِلَى الْوُجُودِ بَعْدَ الْعَدَمِ ، وَيَدْفَعُ الْمَوْتَ عَنْ نَفْسِهِ ، فَصَارَ مِنَ الْمُخَلَّدِينَ وَبَايَنَ جَمِيعَ الْمَخْلُوقِينَ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالِ جَمِيعِ الْحَقَائِقِ ، وَأَنْ لَا يَقَعَ فَرْقٌ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَلَجَازَ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ الْأَجْسَامِ مِمَّا قَلَبَتِ السَّحَرَةُ أَعْيَانَهَا ، فَيَكُونُ الْحِمَارُ إِنْسَانًا وَالْإِنْسَانُ حِمَارًا . فَإِذَا وَضَحَتِ اسْتِحَالَةُ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا ذَكَرْنَا ، فَالَّذِي يُؤَثِّرُهُ السِّحْرُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُوَسْوِسَ وَيُمْرِضَ وَرُبَّمَا قَتَلَ: لِأَنَّ السِّحْرَ تَخْيِيلٌ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [ طه: 66 ] ، وَالتَّخْيِيلُ بَدْوُ الْوَسْوَسَةِ ، وَالْوَسْوَسَةُ بَدْوُ الْمَرَضِ ، وَالْمَرَضُ بَدْوُ التَّلَفِ ، فَإِذَا قَوِيَ التَّخْيِيلُ حَدَثَ عَنْهُ الْوَسْوَسَةُ ، وَإِذَا قَوِيَتِ الْوَسْوَسَةُ حَدَثَ عَنْهَا الْمَرَضُ ، وَإِذَا قَوِيَ الْمَرَضُ حَدَثَ عَنْهُ التَّلَفُ ، فَيَكُونُ أَوَّلُ مَبَادِئِهِ التَّخْيِيلَ ثُمَّ الْوَسْوَسَةَ ثُمَّ الْمَرَضَ ثُمَّ التَّلَفَ ، وَهُوَ غَايَتُهُ فَهَذِهِ آثَارُ السِّحْرِ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، وَهُوَ أَحْكَامُ السِّحْرِ ، فَيَشْتَمِلُ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حُكْمُ السَّاحِرِ . وَالثَّانِي: حُكْمُ تَعَلُّمِ السِّحْرِ . فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ السَّاحِرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ: فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: إِلَى أَنَّهُ كَافِرٌ يَجِبُ قَتْلُهُ ، وَلَمْ يَقْطَعَا بِكُفْرِهِ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِالسِّحْرِ ، وَلَا يَجِبُ بِهِ قَتْلُهُ ، وَيُسْأَلُ عَنْهُ ، فَإِنِ اعْتَرَفَ مَعَهُ بِمَا يُوجِبُ كُفْرَهُ وَإِبَاحَةَ دَمِهِ كَانَ كَافِرًا بِمُعْتَقَدِهِ لَا بِسِحْرِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوِ اعْتَقَدَ إِبَاحَةَ السِّحْرِ ، صَارَ كَافِرًا بِاعْتِقَادِ إِبَاحَتِهِ لَا بِفِعْلِهِ ، فَيُقْتَلُ حِينَئِذٍ بِمَا انْضَمَّ إِلَى السِّحْرِ لَا بِالسِّحْرِ ، بَعْدَ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ فَلَا يَتُوبُ . وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ بِهِ الْقَتْلَ بِرِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ يَعْنِي بِهِ الْقَتْلَ ، وَبِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ بَجَالَةَ ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَنِ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ . فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ . وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافٌ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ ، وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْ حَفْصَةَ ، فَبَعَثَتْ بِهَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ فَقَتَلَهَا . وَلِأَنَّ السَّاحِرَ يُضَاهِي بِسِحْرِهِ أَفْعَالَ الْخَالِقِ ، وَمِثْلَ هَذَا كُفْرٌ يُوجِبُ الْقَتْلَ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، إِلَّا بِحَقِّهَا فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ مَنْ قَالَهَا مِنْ سَاحِرٍ وَغَيْرِ سَاحِرٍ . وَلِأَنَّ لَبِيدَ بْنَ أَعْصَمَ الْيَهُودِيَّ حَلِيفَ بَنِي زُرَيْقٍ قَدْ سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَقْتُلْهُ وَهُوَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ ، وَقَدْ كَانَ عَلَى عَهْدِهِ كَثِيرٌ مِنَ السَّحَرَةِ ، فَمَا قَتَلَ وَاحِدًا مِنْهُمْ ، وَلَوْ وَجَبَ قَتْلُهُمْ لَمَا أَضَاعَ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ . وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَرِضَتْ فَسَأَلَ بَعْضُ بَنِي أَخِيهَا طَبِيبًا مِنَ الزُّطِّ عَنْ مَرَضِهَا ، فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَةٌ سَحَرَتْهَا أَمَتُهَا . فَسَأَلَتْ