وَثُلَّةُ الْبِئْرِ: هُوَ مَلْقَى طِينِهَا ، وَطُولُ الْفَرَسِ: وَهُوَ مَا انْتَهَى الْفَرَسُ إِلَيْهِ بِحَبْلِهِ الَّذِي قَدْ رُبِطَ بِهِ ، وَحَلْقَةُ الْقَوْمِ: فَإِنَّهُ نَهَى مِنْهُ عَنِ الْجُلُوسِ وَسَطَ الْحَلْقَةِ ، وَلِأَنَّ حَرِيمَ الْعَامِرِ قَدْ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ عَلَى عَهْدِ خُلَفَائِهِ مُقِرًّا عَلَى أَهْلِهِ لَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ لِإِحْيَائِهِ مَعَ مَا انْتَهَوْا إِلَيْهِ عِنْدَ كَثْرَتِهِمْ مِنْ ضِيقِ الْعَامِرِ بِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ إِحْيَاءُ حَرِيمِ الْعَامِرِ وَمَنْعُ أَهْلِهِ مِنْهُ بِالْإِحْيَاءِ لِيَبْطُلَ الْعَامِرُ عَلَى أَهْلِهِ وَسَقَطَ الِانْتِفَاعُ بِهِ: لِأَنَّهُ يَقْضِي إِلَى أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ دَارًا يَسُدُّ بِهَا بَابَ جَارِهِ فَلَا يَصِلُ الْجَارُ إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَمَا أَدَّى إِلَى هَذَا مِنَ الضَّرَرِ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ ، وَلَيْسَ الْحَرِيمُ مَوَاتًا ، فَيَصِحُّ اسْتِدْلَالُ دَاوُدَ عَلَيْهِ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْمَوَاتُ أقسامه فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَمْ يَزَلْ عَلَى قَدِيمِ الدَّهْرِ مَوَاتًا لَمْ يُعْمَرْ قَطُّ ، فَهَذَا هُوَ الْمَوَاتُ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ فَمَنْ أَحْيَاهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ مَلَكَهُ وَإِنْ أَحْيَاهُ ذِمِّيٌّ لَمْ يَمْلِكْهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَمْلِكُهُ الذِّمِّيُّ بِالْإِحْيَاءِ كَالْمُسْلِمِ اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ وَلِأَنَّهَا أَعْيَانٌ مُبَاحَةٌ ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِي تَمَلُّكِهَا الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ كَالصَّيْدِ ، وَالْحَطَبِ: وَلِأَنَّ مَنْ صَحَّ أَنْ يَمْلِكَ بِالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَابِ ، صَحَّ أَنْ يَمْلِكَ بِالْإِحْيَاءِ كَالْمُسْلِمِ: وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّمْلِيكِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ كَالْبَيْعِ . وَدَلِيلُنَا: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ فَوَاجَهَ الْمُسْلِمِينَ بِخِطَابِهِ وَأَضَافَ مِلْكَ الْمَوَاتِ إِلَيْهِمْ ، فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِهِمْ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ إِشَارَةً إِلَى إِجْلَائِهِمْ حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنَ الْحِجَازِ ، فَلَمَّا أَمَرَ بِإِزَالَةِ أَمْلَاكِهِمِ الثَّابِتَةِ فَأَوْلَى أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ أَنْ يَسْتَبِيحُوا أَمْلَاكًا مُحْدَثَةً: لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْمِلْكِ أَقْوَى مِنَ الِاسْتِحْدَاثِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الْأَقْوَى فَالْأَضْعَفُ أَوْلَى: وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَقَرَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِجِزْيَةٍ مُنِعَ مِنَ الْإِحْيَاءِ كَالْمُعَاهِدِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْكَافِرُ قَبْلَ عَقْدِ الْجِزْيَةِ لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدَ عَقْدِ الْجِزْيَةِ . أَصْلُهُ: نِكَاحُ الْمُسْلِمَةِ: وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَمْلِيكٍ يُنَافِيهِ كُفْرُ الْحَرْبِيِّ فَوَجَبَ أَنْ يُنَافِيَهُ كُفْرُ الذِّمِّيِّ كَالْإِرْثِ مِنْ مُسْلِمٍ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ فَهُوَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ وَارِدٌ فِي بَيَانِ مَا يَقَعُ بِهِ الْمِلْكُ . وَقَوْلُهُ: ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي وَارِدٌ فِي بَيَانِ مَنْ يَقَعُ لَهُ الْمِلْكُ فَصَارَ الْمَعْنَى فِي كُلِّ وَاحِدٍ