قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ ، إِقْرَارُ السَّيِّدِ فِي مَرَضِهِ بِقَبْضِ الْكِتَابَةِ مِنْ مُكَاتَبِهِ لَازِمٌ كَالْإِقْرَارِ بِهِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ ، سَوَاءٌ كَاتَبَهُ فِي الْمَرَضِ أَوْ فِي الصِّحَّةِ ، لِأَنَّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ الْقَبْضُ صَحَّ إِقْرَارُهُ بِالْقَبْضِ ، وَلِأَنَّهُ إِقْرَارٌ بِحَقٍّ ، فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَإِذَا وَضَعَ عَنْهُ دَنَانِيرَ وَعَلَيْهِ دَرَاهِمُ أَوْ شَيْئًا وَعَلَيْهِ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، إِذَا كَاتَبَهُ عَلَى دَرَاهِمَ ، وَأَبْرَأَهُ مِنْ دَنَانِيرَ أَوْ كَاتَبَهُ عَلَى دَنَانِيرَ ، وَأَبْرَأَهُ مِنْ دَرَاهِمَ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ شَيْءٍ مِنْ كِتَابَتِهِ ، لِأَنَّ مَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ لَمْ يُبْرِئْهُ مِنْهُ ، فَكَانَ هَذَا الْإِبْرَاءُ مِنْهُ عَبَثًا إِلَّا أَنْ يَقُولَ: وَقَدْ كَاتَبْتُهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ ، قَدْ أَبْرَأْتُكَ بِقِيمَةِ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، فَصَحَّ إِبْرَاؤُهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ بِقِيمَةِ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ مِنْ بَعْدُ: قَدْ كُنْتُ أَرَدْتُ بِإِبْرَائِي مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ قَدْرَ مَا يَقُومُ مِنَ الدَّرَاهِمِ بِهَا عُمِلَ عَلَى قَوْلِهِ ، وَإِنَّمَا بَطَلَتِ الْبَرَاءَةُ إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَرُدَّهُ ، فَإِنِ ادَّعَى الْمُكَاتَبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَرَادَ قِيمَةَ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَوْ وَصَّى السَّيِّدُ بِهَذَا الْإِبْرَاءِ كَانَ حُكْمُهُ مَعَ الْوَارِثِ كَحُكْمِهِ مَعَهُ لَوْ كَانَ هُوَ الْمُبْرِئَ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَلَوْ قَالَ: قَدِ اسْتَوْفَيْتُ آخِرَ كِتَابَتِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ شَاءَ فُلَانٌ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا قَالَ: قَدِ اسْتَوْفَيْتُ مِنْكَ مَالَ كِتَابَتِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ شَاءَ فُلَانٌ لَمْ يَجُزْ ، وَكَانَ إِقْرَارًا بَاطِلًا ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْعِلَّةِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ: لِأَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى اسْتِثْنَاءٌ يَرْفَعُ حُكْمَ مَا اتَّصَلَ بِهِ ، كَمَا يَرْتَفِعُ بِهِ حُكْمُ الطَّلَاقِ ، وَالْعِتَاقِ ، وَالْأَيْمَانِ ، وَقَالَ آخَرُونَ: لِأَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ فِي الْكَلَامِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي ، فَصَارَ مَعْنَاهُ: سَأَسْتَوْفِي مِنْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَأَمَّا إِنْ قَالَ: قَدِ اسْتَوْفَيْتُ مِنْكَ مَالَ كِتَابَتِكَ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْعِلَّةِ ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى ظَاهِرِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ . وَقَالَ آخَرُونَ: لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ مُقَيَّدٌ بِصِفَةٍ ، وَحَمَلُوا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ:"لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ"عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ دُونَ مَشِيئَةِ غَيْرِهِ ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُخْتَصٌّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ . وَأَمَّا إِنْ قَالَ: قَدِ اسْتَوْفَيْتُ مِنْكَ آخِرَ كِتَابَتِكَ وَأَطْلَقَ ، لَمْ يَكُنْ هَذَا إِقْرَارًا بِاسْتِيفَاءِ جَمِيعِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا حَلَّ مِنْ نُجُومِهِ دُونَ مَا لَمْ يَحِلَّ ، أَوْ أَنْ يُرِيدَ بِهِ آخِرَ نَجْمٍ دُونَ أَوَّلِهِ ، أَوْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ الْبَاقِي بِأَسْرِهِ ، فَلِاحْتِمَالِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِاسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الْمَالِ حَتَّى يُرِيدَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .